تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
وبعد عودته إلى بلاده أصبح أستاذا للغة العربية والأدب العربي بجامعة « ليدن » بعد أن خلف أستاذه « ديخويه » في هذا المنصب . وهكذا توزع نشاطه بين التدريس الجامعي وبين الاستشارة السياسية لشؤون المستعمرات الهولندية ، فأصبح رجل علم ودولة في آن واحد ، إلّا أن هذه الازدواجية أثرت كما ذكرنا على إنتاجه العلمي الذي أصبح ضئيلا . وتقاعد أخيرا عام 1927 م ولم يعد مستشارا سياسيا لحكومة بلاده ، ولكنه بقي يعطي بعض الدروس عن العربية واللغة الأيتية . واستقرأ التطورات الدولية الحديثة ، وأدرك خطورة المرحلة التي تمر بها البشرية بعد وصول « هتلر » إلى السلطة في ألمانيا ، كما أدرك خطل السياسة الهولندية في مستعمراتها الإسلامية ، كما استقرأ جيدا أثر الحركات القومية ونضالها من أجل استقلال الشعوب عن الهيمنة الاستعمارية ، ومن هنا فقد ندّد ب « الأخطاء السياسية » التي ارتكبتها السلطات الهولندية في مستعمراتها ، وتوقف عن التعاون معها في مجال الاستشارات السياسية . إلى أن لاقى ربّه في 26 من يونيه عام 1936 م بعد أن ألقى خطابا هاما في الأكاديمية الهولندية تخليدا لذكرى المستشرق الإيطالي « ليوني كايتاني » . تتحدد منهجية « هرجرونيه » للدراسات الإسلامية في اعتماده بالدرجة الأولى على التاريخ الإسلامي الذي يبتدئ من خلال دراسة « السيرة النبوية » . وهو يرى ضرورة دراسة « النبي » باعتباره « شخصية تاريخية » . وينبه منذ الوهلة الأولى إلى الصعوبات العلمية التي تواجه الباحث عندما يتطرق ل « السيرة المحمدية » . لأنه يرى أن القرآن وحده هو الوثيقة الحقيقية ، أمّا السنة النبوية فإنها لم توضع إلا لخدمة القرآن وحسن تفسيره وتأويله . وبالتالي فإنه لا يصدق كلّ المعلومات التي أوردها المؤرخون حول هذه السيرة لأنه يرى إمكانية المضاربة عليها ، لأن الوقائع الحقيقية للحياة المحمدية لا تنسجم وما سطره المؤرخون في مؤلفاتهم « 1 » . ولكنه يعتقد إمكانية الوصول إلى نتائج علمية صحيحة إذا قام الباحث بدراسة « الروح المحمدية » التي يعكسها القرآن في أوضح صورة لها . وهو يرى أن هذه الروح قد تجلّت من خلال الخصائص الشخصية للنبي التي تتميز بحياة صعبة إبّان فترة الشباب ، وشعوره بالتفوق على أقرانه ، وتفكيره الدائم في معنى الحياة « 2 » ، واتصاله بالأقليات الدينية بمكة ، واعتقاده بصلاحية العرب
هامش
( 1 )Goldzhier ; Mohammedanisme , Lyde , 1916 , p . 18 .( 2 )Goldziher ; Islam , op . cit , p . 657 .