وراء ذلك اكتشاف معنى الحياة الإسلامية وتفسيرها من خلالها . وبيان التيارات والمذاهب والدوافع الحقيقية التي تكمن وراءها . ومثال ذلك إذا قام جولدزيهر بنقد سند للحديث أو متنه ، فهو لا يقصد إلى بيان صحته من عدمها ، وهل هو صحيح أو موضوع ، ولكنه يهدف من وراء ذلك إلى بيان الميول والأهواء والاتجاهات الخفية التي عبّر عنها أصحابها بوضع هذه الأحاديث . كما أنه عند تناوله لظاهرة التفسير القرآني فإنه لا يقصد من وراء ذلك إلى بيان أخطاء المفسرين ، وترجيح أحدهم على آخر ، ولكنه يقصد إلى بيان الاتجاهات الدينية والسياسية والمذهبية الكامنة خلف هذه التفاسير . كما اعتمد « جولدزيهر » في كشف تطور الحياة الإسلامية على دراسة الفقه الإسلامي باعتباره المؤشر الحقيقي الكاشف عن هذا التطور ، خاصة عندما استند إلى علم أصول الفقه باعتباره المنهج العلمي الذي سلكه المسلمون لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية . وسلوك طريق الاجتهاد في مواجهة ما لاقاه المسلمون من أحداث وقضايا جديدة لا قبل لهم بها عند بداية ظهور الإسلام .
تتعدد صورة الإسلام لدى « جولدزيهر » من خلال دراسة تاريخه الذي تكوّن بفضل رسالة نبيّه ، والتعليمات والمبادئ التي أتى بها . ومواعظه المتمثلة في أوامره ونواهيه التي نشرها بين أتباعه . والتغيرات الجوهرية التي أدخلها على المجتمع العربي الوثني . وهو يرى أن هذا التاريخ قد تميز بعد وفاة الرسول بوضع الأحاديث الشفوية والكتابية . وهي غالبا ما وضعت لخدمة أغراض سياسية ومذهبية . وهو رأي كما ترى لا يستند إلى أسس علمية صحيحة بالرغم من محاولاته المتعددة لإضفاء الصحة عليه .
كما اعتقد من خلال دراساته أن الفقه الإسلامي عبارة عن نظام قانوني سعى إلى وضع القانون الإلهي كقاعدة أساسية تنظم الحياة الخاصة للأفراد وحياة المجتمع بأسره ، خاصة عند استخدامه المنهجية الخاصة به والمتمثلة في علم أصول الفقه . كما يرى تطور الحياة الإسلامية بعد الفتوحات العربية وتأثرها بالأفكار الخارجية الآتية من المسيحية والأفلاطونية الجديدة ، والأفكار الفارسية والهندية خاصة في ما يتعلق بالتصوف الإسلامي . وحاول في هذا المقام استخدام منهج « الأثر والتأثر » بكل ما يحمل من أخطاء ، وتعسف في الأحكام . لأن الأفكار العقائدية الإسلامية وما نتج عنها من تيارات فلسفية أو روحية لم تكن دوما خاضعة لمنهج الأثر والتأثر نظرا لأصالتها الإسلامية النقية .
إن الصورة الإسلامية لدى « جولدزيهر » بالرغم من خطئها منهجيا وعلميا فإنه
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 176
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص١٧٦