عن كيفية تطوره ، وتطرق إلى أحزابه ومذاهبه ، وأفكاره الروحية السائدة في فترات تاريخية مختلفة ، كان يتجه دوما إلى استخدام تاريخ الأدب دون أن يكون مؤرخا للآداب في حدّ ذاتها ، وكان نادرا ما ينزع إلى المشاهدة المباشرة ، ولكنه يغوص دوما في الوثائق والنصوص التاريخية ، ويحاول من خلال دراستها استنباط الأحكام العامة على الديانة الإسلامية . وخطأه هنا يتحدد دوما في تسلحه بالأفكار والأحكام المسبقة ثم يحاول تطويع النصوص لتتفق وهذه الأحكام . وهذه طريقة طالما أشرنا إلى خطئها لأنها لا تدع النصوص تتحدث لوحدها ، ولكنها تطوع دوما لإثبات صحة تلك الأحكام المسبقة .
كان لاهتمام « جولدزيهر » بتاريخ الإسلام ، واستخدام النصوص لتفسير حركته وتطوره ، وغوصه في هذه النصوص لاستكشاف ما وراءها من أفكار ، أن أدى به إلى إهمال دراسة حاضر العالم الإسلامي من الناحية السياسية والثقافية والحضارية .
عكف « جولدزيهر » على دراسة الإسلام من خلال تطوره التاريخي ، مبتدئا بمعالجة مصادره الأصلية كالقرآن والسنة باعتبارهما نقاطا ثابتة تكشف عن تطوره الباطني . وهو يرى أنه من خلال هذه المصادر الأصلية يمكن للباحث النفاذ إلى باطن الإسلام ، واكتناه أسراره ، وتحديد أفكاره العامة التي تلعب دورها الأساسي في المعرفة الإسلامية بالتعاون مع تفسير وتأويل مصادره الأولية باعتبارها جميعا مرآة تعكس اتجاهاته وتوجهاته المختلفة .
وعندما لجأ « جولدزيهر » إلى دراسة النصوص الإسلامية فهو لم يعتمد كما ذكرنا على المشاهدة المباشرة ، لأنه لم يقم في البلاد الإسلامية إلّا مرتين فقط . ولكنه اعتمد على معرفته الواسعة للأدب والثقافة الإسلامية المتعددة الجوانب . وهذه الثقافة عبارة عن مرآة عاكسة للتيارات الروحية الإسلامية . وهو بهذه الصفة يمكننا أن نطلق عليه « مؤرّخا للأديان » من الدرجة الأولى ، أي أنه - بعبارة أخرى كما أطلق عليه « هنريش بيكر - « مؤرخ للأديان ذو توجهات أدبية » لأنه يطبق في دراساته منهج الأدب التاريخي ، دون أن يكون مؤرخا للآداب ، لأن الأدب نادرا ما كان هدفه الأساسي « 1 » .
وهو في استخدامه للنصوص ، واستقراء كنهها ، وتحليل مضامينها ، قصد من
هامش
( 1 )Becker ; Goldziher , op . cit , 15 , 11 , 502 .