تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
غالبا ما تنقص الباحث الضوابط والمعايير العلمية لإصدار مثل هذه الأحكام المطلقة . فالأحكام المطلقة لا قيمة لها في دين من الأديان إلّا بالنسبة إلى معتنقيها . أما بالنسبة إلى الآخرين فإن هذه القيمة تبدو دائما نسبية . وبناء على نظرته السابقة فإن « جولدزيهر » يرفض تلك الأحكام المسبقة التي تطلق على الإسلام والتي تتسم دوما بالخطإ والتعسف على مر العصور ، لأنه من الخطأ تطبيق معيار مطلق عليه ، ولأن الإسلام غير مسؤول عن الأخطاء المنسوبة إليه عبر التاريخ . كما أن هذه الأحكام المسبقة والتعسفية غالبا ما تكون مبنيّة على أدلة وبراهين خاطئة . ويفند « جولدزيهر » خطل الرأي القائل بالقيمة القليلة للديانة الإسلامية . بل إنه على العكس من ذلك يرى فيها معايير وقيما إنسانية تتجه إلى فعل الخير . ومحاربة عناصر الشر ، كما أن الحياة تصبح عادية وسعيدة لو طبقت عليها معايير ومبادئ هذه الديانة « 1 » . أمّا بالنسبة إلى دوره الفعّال في مجال « الدراسات الإسلامية » فهو يعتبر المؤسس الحقيقي لهذا العلم ، ودفع به دفعات قوية إلى الأمام ، وطبق عليه مناهج علمية صارمة أهمها المنهج التاريخي ، ومنهج قانون المطابقة والمقابلة . وهو يرى أن التقدم الذي أحرزته الدراسات الإسلامية في السنوات الأربعين الماضية لم يكن مقتصرا فقط على اتساع وشمولية المعارف المكتسبة ، ولكنه تعدى ذلك إلى المنهجية العلمية المطبقة عليها ويقول في هذا الصدد : « إننا قد تعرفنا إلى الإسلام بمنهجية تختلف عن تلك التي طبقها أسلافنا ، وبعبارة أخرى فإننا ندرسه بمنهجية أخرى » « 2 » . يقصد « جولدزيهر » بالمنهجية الجديدة المطبقة على الدراسات الإسلامية هي تلك التي تعتمد على منهج « النقد التاريخي » ، وعلى منهج آخر يرتكز على قواعد عامة - أخلاقية ونفسية - تتعلق بنشأة وتطور الأفكار الدينية للإنسان . وكان لهذين المنهجين نتائجهما في مجال الدراسات الإسلامية وهما اللذان أطلق عليهما « منهج النقد التاريخي » و « منهج علم مقارنة الأديان » . وعندما اعتمد « جولدزيهر » على المنهجين السابقين تناول نشأة الإسلام ، وأبان
هامش
( 1 )Goldziher , Dogme et la loi dans L'islam , p . 15 , in Waardenburg , op . cit . p . 112 .( 2 )Waardenburg , op . cit p . 112 .
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 174 | ساسي سالم الحاج