تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
اليونانية القديمة . وتنطبق هذه العلمية على الأدب والشعر والفن والخطابة . ومن هنا رسخ في أذهان المستشرقين أن كل حضارة حديثة تستمد أصولها من الحضارة اليونانية . ومن خلال هذا الحكم طبقوا هذا المنهج على الحضارة الإسلامية وحاولوا تفسير أفكارها ومناهجها طبقا لمنهج الأثر والتأثر . ويلاحظ المرء عدم صحة هذا المنهج بالنسبة للحضارة الإسلامية لأنها ذات أصول وحدود واضحة مؤسسة على معايير دينية وبيئية أصلية مستمدة من الجزيرة العربية والتعاليم الإسلامية . وأنها قادرة على تمثل ثقافات الشعوب المجاورة ووضعها في قالبها لأنه هو القالب الأوسع شمولا والأكثر عقلانية . ومن ثم نفهم خطأ المستشرقين عندما يعتمدون على منهج الأثر والتأثر في تفسير الحضارة الإسلامية لأنه منهج يهدف أساسا إلى القضاء على الحضارات وقدرتها على التمثيل والتعبير والخلق والإبداع . ونحن نعرف طبقا للمعايير العلمية الموضوعية أن الحضارة الإسلامية كانت مبدعة خلاقة ، وأنها سلسلة متصلة الحلقات مع الحضارات الإنسانية الأخرى فقادت المدنية الإنسانية أحقابا طويلة بعد أن تمثلت الحضارات الأخرى وأضافت إليها من أصالتها واحتوتها طبقا لمناهجها وتوجهاتها ، ثم سلمتها بدورها إلى حضارة إنسانية أخرى وهكذا دواليك إلى النهاية . استخدم المستشرقون مناهج المطابقة والمقابلة في دراسة النصوص الإسلامية . وقد برعوا في هذه الناحية وأجادوا فيها إجادة لا نستطيع أن ننكرها . وقد ساعدهم على ذلك - كما أسلفنا - معرفتهم بالعديد من اللغات ، واطلاعهم على آلاف المخطوطات ، واكتشافهم للمئات من النقوش والآثار . فاستخدموا مناهج المطابقة والمقابلة بين هذه النصوص المجمّعة ، وحاولوا التوفيق بينها ، واستخلاص النتائج العلمية من استقرائها ، كما برعوا في الدقة في الترجمة وتحقيق النصوص وإرجاعها إلى مصادرها الأصلية . ولكن هذه الطريقة لم تسلم من الخطأ هي الأخرى خاصة إذا كان استخدامها لغرض البرهنة على فرضية علمية رسخت في ذهن المستشرق طبقا لأحكام مسبقة فيحاول تطويع النصوص واستقراءها للبرهنة على صحة تلك الفروض . هذه أهم المناهج العلمية التي استخدمها المستشرقون لدراسة الحضارة الإسلامية . ولمزيد من الإيضاح فإننا نورد نماذج من هذه المناهج طبقا لمطبقيها ، ونختار خمسة منهم على التوالي وهم : جولدزيهر المجري الجنسية واليهودي الديانة باعتباره أحد مؤسسي الدراسات الإسلامية في أوروبا ، وسنوك هرجرونيه الهولندي الجنسية الكالفيني الديانة والثقافة باعتباره من أبرز المستشرقين في مجال الدراسات