أكبر قدر من المعرفة والمعلومات عن البلاد الشرقية توطئة لاستعمارها وإخضاعها لهيمنتها ، وكان المستشرقون هم الوسيلة التي اتبعت لتحقيق هذه الأغراض ، فإن تطبيق المنهج التاريخي لا يؤدي في حقيقته إلى نتائج علمية صحيحة لأنه طوّع لخدمة أغراض لا علاقة لها بالموضوعية العلمية ، ولأنه عندما اقتصر على جمع المعلومات والبيانات فإنه لم يضف جديدا إلى المعرفة الإنسانية من الناحية الفكرية .
وأخيرا فإن المنهج التاريخي قد استخدم في أوروبا لدراسة المسيحية لأنها نشأت في بيئة دينية ، ودخلت المؤثرات الخارجية كالبابلية والأشورية والغنوصية على نصّها الديني . وهذا المنهج يبيح للباحث الكشف عن العناصر الأساسية التي ساعدت على تكوين المسيحية الأولى . وعندما يطبق المستشرق هذا المنهج على الظواهر الفكرية الإسلامية - التي هي في حقيقتها مثالية وليست مادية ، أي أنها موضوعات فكرية مستقلة وليست موضوعات تاريخية - فتكون النتائج العلمية ليست صحيحة عند تطبيق هذا المنهج على الدراسات الإسلامية « 1 » . يضاف إلى ذلك أن استخدام هذا المنهج يؤدي إلى إنكار نبوة محمد ، وعدم صدقية الوحي الإلهي ، لأنه يحيل كل شيء إلى ظواهر تاريخية . فالمستشرقون كما سنرى إذا ذكروا محمدا فإنهم يصنفونه مع أنبياء الفرس وحكمائهم وذلك عندما يعقدون المقابلات بينه وبين « زرادشت وماني » حول الإسراء والمعراج والاتصال بالملكوت الأعلى ، وهكذا يصبح هذا المنهج أداة لمحو النبوة المحمدية وتفسيرها ضمن النبوءات الأخرى التاريخية . وهو بذلك يقوم على فكرة مسبقة وعلى تميز حضاري وتعصب ديني « 2 » .
أمّا المنهج التحليلي الذي طبقه المستشرقون على الدراسات الإسلامية فإنه يعني تفتيت الظاهرة الفكرية إلى مجموعة من العناصر يتم التأليف بينها في حزمة لا متجانسة من العوامل أو الوقائع التي أنشأها . أي أن هذا المنهج يقوم بتفتيت الظاهرة الفكرية وردها إلى عناصرها الأولية كالظروف الاجتماعية ، أو السياسية ، أو الدينية . فإذا طبق المستشرق هذا المنهج وهو متأثر بمزاجه وثقافته وبيئته ودينه الذي نشأ فيه ، فإنه يصل به في الدراسات الإسلامية إلى نتائج غير سليمة . فالمسيحية عندما يخضعها المستشرقون للمنهج التحليلي فإنها تبدو لهم منقسمة إلى عوامل دينية وأخرى غير دينية
هامش
( 1 ) حسن حنفي ، دراسات إسلامية ، دار التنوير ، ط 1 ، 1982 م ، ص 227 .
( 2 ) المرجع السابق ، ص 228 .