تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
وإيمانه الشديد بثقافته ومنهاجه باعتبارها النموذج الأمثل لكل الثقافات والمناهج ، ينظر إلى سائر الظواهر الأخرى التي يخضعها للدراسة من عل ، ولا يضعها على نفس المستوى لثقافته ومنهاجه فيسهل عليه عملية الإسقاط التي يمارسها من خلال نظرته الاستعلائية فتأتي أحكامه جائرة ومنافية للحياد العلمي الصحيح . فإذا تركنا المنهج الإسقاطي واتجهنا إلى منهج الأثر والتأثر لوجدنا أن المستشرقين استخدموه بطريقة مبتسرة بحيث فسروا الوحي الإلهي ، والفلسفة الإسلامية ، والفقه الإسلامي والسنة النبوية بأنها مستمدة من عوامل خارجية مارست عليها قواعد الأثر والتأثر فعلها ، وكأنّ هذه الحضارة مجتمعة نابعة من تطبيق هذا المنهج الذي ينفي كل أصالة للدين الإسلامي . ذلك أن هذا المنهج يقضي على الأفكار الإسلامية قضاء مبرما ، ويرجعها إلى مصادر ثقافية خارجية ، وإصدار هذا الحكم التعسفي كلما وجد اتصال بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى ، وكلما وجد تشابه بينها وبين الأفكار الإنسانية الأخرى مهما كان هذا التشابه كاذبا وغير حقيقي ، فالمستشرقون عندما يطبقون منهج الأثر والتأثر على الفلسفة الإسلامية فإنهم يرجعونها إلى أصول يونانية ولا يؤمنون البتة بأصالتها . وهذا الخطأ يدافع عنه المستشرقون طبقا لمعايير الأثر والتأثر ، ولا يقتنعون البتة بأن التفاعل الحضاري يحدث أثره كلما التقت حضارتان مع احتفاظ كل منهما بخصائصها المميزة . وإذا درس المستشرق التصوف مثلا فإنه يرجعه إلى أصول خارجية كالعنصر الإيراني أو الهندي لوجود عناصر متشابهة بين التصوف الإسلامي والتصوف الفارسي ، ولا يؤمن البتة بأن التصوف الإسلامي مصدره الدين نفسه ولم يتأثر بعوامل خارجية ما دام هناك تشابه بينه وبين مظاهر التصوف في أصقاع أخرى كفارس والهند . وإذا درس المستشرق علم أصول الدين قال لك : إنه خضع لمنهج الأثر والتأثر بدليل أن الأحوال الثلاثة وهي العلم والقدرة والحياة عند أبي هاشم الصوفي لا تبتعد عن الأقانيم الثلاثة في الديانة المسيحية . ولا يقتنع مهما حاولت البرهنة عليه من أن هذا العلم قد نشأ في فترة مبكرة سبقت عصر الترجمة ، وأنه في حقيقة أمره أول محاولة للتعبير عن النصوص وفهمها فهما عقليا خالصا ، ثم تحويلها بعدئذ إلى معان . تأثر المستشرقون بمنهج الأثر والتأثر لأنه طبق بصورة صارمة في بيئتهم . ذلك أن النهضة الأوروبية قد تأسست على الحضارة اليونانية وكلما أنشئ مذهب فكري وديني جديد خاصة في ما يتعلق بمقاومة سلطان الكنيسة وجد له نظير في الحضارة