تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
لأن الدين المسيحي لا ينظم إلّا الجانب الروحي ولا علاقة له بالجانب الزمني أو المادي الذي يخضع بدوره إلى عوامل الاقتصاد والسياسة والاجتماع . ولكن إذا طبق المستشرق هذا المنهج على دراسة الفرق الإسلامية وكيفية نشأتها فإنه يحكم عليها طبقا للمعايير السياسية باعتبارها قد نشأت لهذا السبب وحده دون غيره . غير أن الحقيقة خلاف ذلك لأن الدين الإسلامي لا يفرق بين العامل الديني وغيره من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى . ومن هنا خطر تعميم هذا المنهج على سائر الدراسات الإنسانية وخاصة الدراسات الإسلامية التي تختلف أصولها ومعطياتها ومبادئها عن الديانة المسيحية . ومن هنا فإن تطبيق هذا المنهج يؤدي إلى الحكم على الحضارة الإسلامية بالجدب ، وعلى الدين بالجمود ، وعلى الوحي بالاضطراب والاختلاط ، وعلى التوحيد بالتجريد ، وعلى العقائد بالقضاء والقدر ، وعلى الشعوب بالتخلف « 1 » . فإذا ما انتقلنا إلى المنهج الإسقاطي ، فإننا نراه يتمثل في خضوع الباحث إلى هواه ، وعدم استطاعته التخلص من الانطباعات التي تركتها لديه بيئته الثقافية المعنية ، وعدم تحرره من الأحكام المسبقة التي يكوّنها على موضوع بحثه سواء أكانت هذه الأحكام عقلية أم انفعالية . ولا يرى الباحث إلّا صورته الذهنية دون غيرها من الصور الفكرية التي ربما تخالف أحكامه المسبقة ويحاول جاهدا إخضاع جميع الصور الأخرى إلى ما ارتضاه لنفسه حتى وإن جانبت الموضوعية العلمية . فالباحث عندما يضع في ذهنه صورة معينة لأفكار معينة وهذه الأفكار لا وجود لها من الناحية الفعلية فإنه يحاول إيجادها في ذهنه ويلتمس لها الحلول والفروض مهما كانت منتفية . وإذا كانت الظاهرة الفكرية موجودة فعلا ولكن لا تصور لها في ذهنه فإنه يحاول نفيها مهما كانت صحة وجودها . طبق المستشرقون المنهج الإسقاطي على الدراسات الإسلامية ، ووصلوا بتطبيقه إلى أحكام تعسفية لا صلة لها بالتحليل العلمي السليم . وطوعوا هذه الصور الذهنية الكامنة في عقولهم سلبا وإيجابا لتفسير التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية . وبما أن هذا المنهج يخضع لهوى الباحث وأحكامه المسبقة فإن النتائج المرجوة منه لا تكون صائبة في أغلب الأحيان . ذلك أن المستشرق - وهو في حقيقة الحال نتاج بيئته -
هامش
( 1 ) حسن حنفي ، التراث والتجديد ، المرجع السابق ، ص 75 .