ينصب على النواحي السياسية دون غيرها كوصف نظم الحكم المختلفة ، والأسر الحاكمة والظواهر الاجتماعية التي رافقت هذه النظم السياسية . وقد يكون التاريخ منصبا على سيرة العلماء والمفكرين من حيث تراجم حياتهم ومؤلفاتهم وآثارهم وما ساهموا به في مجال الحياة الثقافية والفكرية .
وعندما تناول المستشرقون الحضارة الإسلامية بالدرس والتحليل فقد طبقوا عليها المنهج التاريخي . ومن هنا كان تصنيفهم للتاريخ الإسلامي ومفكريه على نمط العقلية الغربية . فهم إذا ما تحدثوا عن محمد قالوا : إنه كان تاجرا ميسورا . وعندما يتناولون دعوته يقولون : إنها جاءت للانقضاض على الأرستقراطية القرشية . وعندما يتحدثون عن نضاله وجهاده يقولون : إن لديه أغراضا سياسية يرمي إلى تحقيقها بالقوة المسلحة للوصول إلى السلطة والهيمنة على الجزيرة العربية . وهم عندما يتحدثون عن مفكري الإسلام كابن سينا ، والغزالي ، وابن رشد ، فإنهم يصنفونهم بأنهم أصحاب مدارس كما يفعل الغربيون ، وهكذا تراهم يتحدثون عن الرشدية ، والسينوية ، والغزالية ، والأشعرية . وهذا التقسيم المذهبي كما ترى ليس صحيحا من الناحية التاريخية والعلمية ، لأن معظم هؤلاء المفكرين لا يختصون بعلم أو بمذهب معين .
فأنت عندما تتحدث عن الغزالي ، هل تستطيع أن تصفه بأنه متصوف أو فيلسوف أو منطقي ؟ . وعندما تتحدث عن ابن رشد ، هل تستطيع أن تصفه بأنه فيلسوف ، أو فقيه ، أو متكلم ، أو عالم ؟ .
وإذا كان الهدف من تطبيق المنهج التاريخي هو الحصول على أكبر قدر ممكن من المعارف والمعلومات عن الموضوع المراد دراسته ، فإن مهمة الباحث هنا إرجاع الظواهر الفكرية إلى أصولها الأولى . فنحن عندما ندرس الحضارة الإسلامية فإن الذي يعنينا ليس التطور التاريخي للحوادث والأخبار وجمعها وتحقيقها ، فهذا السرد لا يؤدي بنا إلى نتائج جديدة لأنه عبارة عن ترداد ما حصل في الماضي ، ولكن مهمة الباحث الحقيقية هي إرجاع الظواهر الفكرية الإسلامية إلى أصولها الأولى التي خرجت منها كالقرآن والسنة مثلا ، لمعرفة كيفية خروجها منها ومحاولة العثور على منهج أو مناهج دائمة يمكن بواسطتها العثور على منهج إسلامي عام « 1 » .
وبما أننا قد تناولنا في فصل سابق أن أحد أغراض الاستشراق هو الحصول على
هامش
( 1 ) المرجع السابق ، ص 69 .