تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
الوضعية ، وتأثيرها المباشر على المفكرين الغربيين بعد أن وضع أسسها « أوجست كونت » فأصبح الباحثون يعتمدون على الدراسات العلمية المجردة لتفسير الظواهر والأفكار الإنسانية . وإخضاع هذه الدراسات الإنسانية إلى مناهج العلوم التجريبية . وهذه المناهج لا تؤدي عادة إلى نتائج علمية مستساغة عند تطبيقها على الدراسات الإسلامية التي يلعب فيها الإيمان بالوحي والنبوة الدور الأكبر والهام فيها . ومنها أن المستشرق لا ينسى بيئته الأصلية التي تربى وترعرع فيها ، هذه البيئة العلمية التي أنكرت الماضي ، واعتدّت بالعقل ، وأخضعت جميع الدراسات للنقد والتمحيص والتحليل الذي لا يعتمد على الماضي وأفكاره ومعتقداته فتأثر هؤلاء الدارسون بهذه البيئة الأوروبية التي تعتمد في دراسة حضارتها ومبادئها وأفكارها على الظروف التاريخية ، والمبادئ العقلية ، فطبقوا هذه المنهجية على سائر مجالات الدراسات الأخرى ، ومنها الدراسات الإسلامية ، وكانت النتيجة خاطئة هي الأخرى لاختلاف ظروف البيئتين الأوروبية والإسلامية ، ولاختلاف المبادئ والمعتقدات التي تؤمن بها كلا البيئتين . ولأن المستشرق في حقيقة أمره عبارة عن باحث أوروبي بسبب ثقافته ، ومزاجه ، وطبعه ، وتكوينه الثقافي والفكري ، ولم يستطع إلّا في النادر القليل تجاوز البيئة التي عاش فيها ، أو الحيدة عن أحكامها ، أو التخلص من آثارها ومعتقداتها ونظرتها للكون والحياة . ونحن لو حاولنا استعراض المناهج العلمية التي استخدمها المستشرقون في دراسة الحضارة الإسلامية ، لما وجدناها تخرج عن المنهج التاريخي ، والمنهج التحليلي ، والمنهج الإسقاطي ، ومنهج الأثر والتأثير ، ومنهج المطابقة والمقابلة . وهذه المناهج إمّا أن تكون قد استخدمت مجتمعة أو منفصلة في مجال الدراسات الإسلامية لأنها هي ذات المناهج التي استخدمها الأوروبيون في مجال الدراسات الإنسانية بصورة عامة ، ولأنها تستند إلى المذهب الوضعي الذي طبقه المستشرقون على الدراسات الإسلامية في القرن التاسع عشر والعشرين ، ولم يحيدوا عنه إلى الآن بالرغم من نبذ هذا المذهب في الوقت الحاضر للدراسات الإنسانية . فالمنهج التاريخي الذي طبقه المستشرقون على الدراسات الإسلامية هو عبارة عن ترتيب وقائع تاريخية أو اجتماعية وتبويبها وترتيبها ثم الإخبار عنها والتعريف بها باعتبارها الظاهرة الفكرية ذاتها . والتاريخ قد يكون عاما بحيث يشمل دراسة كلّ الظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية لمجتمع من المجتمعات . وقد