تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
يدرسونها ، وعدم تقيدهم بالمثالية ، والحوافز الدينية ، تدفعهم إلى سلوك مناهج تؤدي إلى نتائج لا تتفق عادة وما هو معلوم لدينا بالضرورة ، وما يجب الإيمان به والتسليم بصدقه مهما كانت نوعية هذه المناهج ، ومهما كانت النتائج التي نتوصل إليها من خلالها . فنحن لا نستطيع استخدام المنهج الشكي الديكارتي في تفسير المبادئ الإسلامية وظاهرة الوحي والنبوة ، وتفسير بعض المعجزات التي حصلت للأنبياء السابقين على الرسول العربي . لأننا لا نستطيع أن نتجرد من دراستنا ومبادئنا ومعتقداتنا ومسح كلّ المعلومات والمعارف والعقائد التي انطبعت في أذهاننا حتى نخضع هذه القضايا العقائدية للمنهج الشكي منتظرين صحتها من عدمه طبقا لما تسفر عنه دراساتنا باستخدام هذا المنهج الشكي . ولكن المستشرقين استخدموا هذا المنهج وطبقوه في مجال الدراسات الإسلامية وكانت النتيجة مخالفة لما نراه ونعتقد أنه الصحيح . وهناك أسباب أخرى تؤدي بالمستشرقين إلى استخدام مناهج علمية لا تؤدي إلى نتائج علمية حقيقية في مجال الدراسات الإسلامية . منها : عدم تخصص العديد من المستشرقين في بداية أمرهم في فرع معين من فروع الحضارة الإسلامية حيث يتناولونها في إطار التاريخ العام أو تاريخ علم من العلوم كاللغة والأدب والفقه ، ثم يصلون ، بعد تطور طويل وبحث عميق ، إلى دراسة الحضارة الإسلامية في إطار الحضارات السامية القديمة أو اللغات الشرقية ، وتكون بالتالي النتيجة العلمية لا توافق ما نراه صحيحا حالة كون هذه الدراسات قد اختلطت ببعضها وأطلق عليها أحكام عامة لم تراع فيها خصائص الحضارة الإسلامية وأفكارها ومعتقداتها . ومنها : أثر البيئة الأوروبية التي تربّى فيها المستشرقون وأخذوا منها مناهجها ، وطرق معالجتها للحضارات والأفكار الإنسانية ، وجنوحها إلى رفض القديم ، وعدم التعويل عليه ، وطرحه جانبا بعد أن عانت منه الأمرّين من الناحية الدينية ، والفكرية ، والثقافية ، والعقلية ، والإنسانية . ومن هنا رفض المستشرقون كل مصدر سابق للمعرفة نظرا لخيبة الأمل التي حصلت من كشف أخطاء الموروث وكل مصدر سابق للمعرفة باسم الوحي أو الدين أو الحدس أو المثال واستبدال ذلك كله بالإيمان المطلق بالعقل البشري وقدرته ، وبالثقة التي لا حدود لها بالفكر الإنساني ، وإمكانية وصوله إلى الحقيقة بالجهد الإنساني ، وإمكانية وصوله بنفسه دون الاعتماد على أي مصدر مسبق « 1 » ، ومنها : اتساع نطاق الفلسفة
هامش
( 1 ) حسن حنفي ، التراث والتجديد ، دار التنوير ، ط 1 ، 1981 م ، ص 62 .