هذا الفرع من الدراسات الشرقية . ونوهنا بمجهودات المستشرقين الذين أفنوا أعمارهم في دراسة تراثنا ، وتحقيقه ، وفهرسته ثم نشره في الآفاق . واخترنا نماذج محددة من هؤلاء حتى لا تكون دراستنا موسوعة مطولة شاملة للمستشرقين كافة نظرا لتحديد الموضوع الذي بيّنا خصائصه وحدوده ومجاله في مقدمة دراستنا هذه . وكان غرضنا من ذلك كله بيان مرحلة الاستشراق العلمية التي لا يمكن تحديدها زمانا ومكانا . لأننا حاولنا منذ البداية التركيز على أن هذه المرحلة متداخلة مع مراحل الاستشراق الأخرى ، ومتشابكة معها ، ولا يمكن فصلها عن بعضها . إلّا أن المنهجية والتبويب فرضا علينا تقسيم موضوعنا إلى هذه المراحل المختلفة التي حاولنا بيان خصائص كل منها بشيء من الدقة والتمييز والتركيز .
نعم ، إن مرحلة الاستشراق العلمية قد تبلورت بصورة واضحة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية . وأصبحت هذه الدراسات لا هدف لها إلّا تحقيق الأغراض العلمية البحتة . ومع ذلك فإن هذا الحكم لا يؤخذ على إطلاقه - كما أشرنا آنفا - فما زالت المصالح الدولية المتباينة في حاجة إلى إجراء مثل هذه الدراسات التخصصية للمحافظة على المصالح السياسية ، والاقتصادية ، والتجارية للدول التي تقوم بإجراء وتشجيع هذه الدراسات .
تتميز المرحلة العلمية للاستشراق بإنشاء المراكز العلمية المتخصصة ، وتخصّص كل مستشرق في فرع معين من فروع المعرفة الشرقية ، الأمر الذي يعطي للدراسات المطروحة زخمها وجديتها وخصوصيتها . كما أن مساهمة الشركات ، والمؤسسات الخاصة ، وبعض الدوائر الحكومية ذات العلاقة بالمدارس الاستشراقية قد ساعدت على تفرغ العديد من المستشرقين للالتفات إلى البحث والتقصي . وكانت النتيجة موفقة في غالب الأحيان . وكان لانعقاد مؤتمرات المستشرقين أثره الكبير في تعميق الدراسات الاستشراقية ، بما يطرح في تلك المؤتمرات من بحوث ، وما يسفر عنها من مناقشات بين علماء متخصصين ، يتبادلون المعرفة في هذا الميدان الهام . وما ينتج عنها من مجادلات علمية يصحح بعضهم للآخر المفاهيم التي يختلفون فيها ، ويستكملون الجهود العلمية المبذولة في هذا الصدد .
تتميز مرحلة الاستشراق العلمية بإيفاد العديد من المستشرقين إلى الجامعات العربية ، والتدريس بها . وخاصة جامعة القاهرة التي وفد إليها كبار المتخصصين في
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 159
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص١٥٩