تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
اليهودي في فلسطين ، الأمر الذي يصم دراسته بوصمة التحامل وعدم الموضوعية ، وتكريسها لتحقيق أهداف سياسية لا علاقة لها بالبحث العلمي الموضوعي . تمتاز المدرسة الاستشراقية الأمريكية بخصائص تختلف في غالب الأحيان عن نظيراتها الأوروبية ، فهي قد تأسست أصلا لتحقيق أهداف دينية ، ثم سياسية واستعمارية في الوقت الحاضر . ولكن بطريقة غير مباشرة ، وهي في هذه الخاصية تشترك مع خصائص المدارس الاستشراقية الأوروبية التي أتينا على ذكرها ، ولكنها تمتاز عنها بأنها لم تقف جهودها على مجال إظهار الحركة الأدبية العربية سابقا أو حاليا . ذلك أن معظم الدراسات الأمريكية الغزيرة تناولت الشرق الأوسط من حيث الأحوال الاقتصادية والسياسية والتاريخية والعلمية والأثرية ، ولكنها تفتقر بشدة إلى دراسة متعمقة ورصينة للآداب العربية . واستتبع إهمال الأدب العربي ضعف الدراسات الأمريكية المتعلقة ب « فقه اللغة » . ذلك أن معظم الدراسات الحديثة التي يقوم بها المستشرقون الأمريكان في هذا المجال ضئيلة وسطحية ، ولا ترقى أبدا إلى أعمال المستشرقين الأوروبيين الكبار القدماء منهم أو المحدثون . وهذا الأمر مرجعه إلى الاهتمام الأمريكي بأحوال الشرق الأوسط من الناحية السياسية والاقتصادية . فالجامعات والمؤسسات العليا ترمي إلى تأليف فرق من الخبراء في قضايا الشرق الأوسط لخدمة أهداف السياسة الأمريكية ، التي سعت جاهدة إلى الحلول محل النفوذ البريطاني والفرنسي ، كما وضعت نصب أعينها تخريج فريق من الخبراء تستعين بهم الشركات المتعددة الجنسيات للاستيلاء على الموارد الطبيعية التي تزخر بها هذه المنطقة . ومن هنا فإن دراسة الأدب وفقه اللغة لم يجدا الأرضية الصالحة للنمو والتطور طالما كانت هذه الدراسات لا تفيد في النواحي السياسية والاستراتيجية والاقتصادية . وقد أصدر معهد الشرق الأوسط عام 1958 م دراسة عن الأوضاع الحاضرة للدراسات العربية في الولايات المتحدة جاء فيها : إن المعرفة باللغات الأجنبية لم تعد ، مثلا ، مجالا مقصورا على الباحثين في العلوم الإنسانية . بل أصبحت أداة عمل المهندس ، والاقتصادي والعالم الاجتماعي ، وكثير من المتخصصين الآخرين . وتؤيد هذه الدراسة أهمية اللغة العربية بالنسبة إلى المديرين التنفيذيين لشركات النفط ، والفنيين التقنيين ، وأفراد القوات العسكرية « 1 » .
هامش
( 1 ) إدوارد سعيد ، الاستشراق ، المرجع السابق ص 292 .