نعم لقد وقفت الدراسات الاستشراقية الأمريكية جهودها على تحقيق أهداف سياسية استعمارية ما زلنا نشهد آثارها إلى يومنا هذا . ولم تخل هذه الدراسة مطلقا من تحقيق هذه الأهداف مهما ادعت الموضوعية والعلمية . فهذه الدولة التي وجدت نفسها - حسب منطقها - مسؤولة عن أمن العالم وسلامته ، وبعد أن وجدت نفسها في مواجهة سياسية وعسكرية مع دولة أخرى لا تقل عنها قوة ورهبة ، وبعد أن وجدت نفسها تستنفد مواردها الطبيعية الهائلة لإرضاء شهوات شعبها الذي يستهلك أكثر من ثلث الموارد العالمية ، فإنها قررت الاهتمام بالشرق الأوسط لتأمين الموارد الأولية الضرورية لصناعتها واقتصادها ، ولمواجهة الدولة الأخرى النظيرة لها حتى لا تصل إلى البحار الدافئة ، ولتحقيق أهداف سياسية استعمارية تمليها عليها مصالحها المتباينة خاصة سياسة ملء الفراغ الذي كشفت عنه منذ العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م ، فقد اهتمت بالدراسات الاستشراقية لا من أجل تحقيق أهداف علمية صرفة ، ولكن من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية واستعمارية بل وحتى دينية ، هذه الأهداف التي ما فتئت تراهن عليها وتسعى إلى تحقيقها بكلّ السبل . وما حضورها العسكري المباشر في الخليج العربي إلّا دليل عملي على صدق ما ندعيه .
المطلب التاسع الخصائص العلمية للدراسات الاستشراقية
حاولنا في المبحث السابق بيان الخصائص العلمية للدراسات الاستشراقية .
ونبهنا منذ البداية إلى أن هذه الخصائص لا تتميز عن تحقيق أهداف الدراسات الاستشراقية الأخرى الموجهة لغير البحث العلمي النزيه . واستعرضنا خصائص هذه الدراسات في البلدان الأوروبية المختلفة ، مضيفين إليها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ، بصفتهما قد دخلتا هذا الميدان في وقت متأخر . وحاولنا في ثنايا هذا المبحث بيان المؤسسات العلمية المختلفة التي كرّست من أجل إنجاح هذه الدراسات ، وإجرائها على أحدث مناهج البحوث العلمية الصارمة . ورأينا اهتمام الجامعات المختلفة بهذا النوع من المعرفة الإنسانية عندما أنشأت كراس مختلفة لتدريس اللغة العربية والحضارة الإسلامية . وعددنا بعض المكتبات الأوروبية الزاخرة بنوادر المخطوطات والمطبوعات العربية . وأشرنا إلى الصحف والمجلات المتخصصة في