وبغداد ، ازدادت الروابط وأصبحت أشد متانة خاصة بعد أن امتص الإسلام موجات التدمير المغولية الأولى ، ثم استحوذ عليها باعتناق أولئك القوم لمبادئه وعقيدته .
وزادت الروابط وثوقا عند تأسيس الإمبراطورية العثمانية التي تتاخم الحدود الروسية مباشرة ، وما نشأ عنها من علاقة تراوح بين المد والجزر ، والصداقة والعداوة .
وزادت الروابط أكثر وثوقا عندما سقطت الإمبراطورية المغولية بصفة نهائية ، واستتبع ذلك التوغل الروسي في أواسط آسيا واحتلاله للجمهوريات الإسلامية الغنية بالمعارف والعلوم والثقافة العربية والإسلامية . ووضعت روسيا يديها على كنوز الإسلام الحقيقية بما وجدته من كتب ، ومخطوطات ، وآثار وثقافة سامية ، خاصة ما خلفه العلماء المسلمون من فكر وعلم غزيرين كالخوارزمي ، والبيروني ، والفارابي ، والبخاري ، وابن سينا وغيرهم كثيرون .
أمّا بالنسبة إلى العلاقة الثقافية الحقيقية التي ربطت روسيا بالعرب ولغتهم وديانتهم فقد بدأت من الناحية العلمية في أواخر القرن السابع عشر الميلادي ، عندما قامت الدوائر العلمية الروسية بترجمة العديد من الكتابات والمصادر الأوروبية ، أهمها :
« حكايات عن محمد منذ بداية رسالته وحتى النهاية » ، وجاءت هذه الحكايات خالية من التعصب والهوى والانحياز للمسيحية . وأتت بمعلومات تمتاز بالكثير من الصدق والموضوعية . وهكذا كان الاتصال الثقافي مع العربية والإسلام لم يكن مباشرة ولكن تمّ عن طريق الدوائر العلمية الأوروبية . واستعانت بهذه الدراسات لمقارعة الأفكار الإسلامية المنتشرة في أواسط آسيا التي يدين سكانها بالإسلام .
وأخذت الدوائر العلمية الروسية تقترب رويدا رويدا من الآداب والفلسفة والطب العربي بعد ترجمة العديد من الكتب التي تناولت هذه المؤلفات .
كان انفتاح القيصر بطرس الأول على الثقافتين الغربية والشرقية له أثره المباشر على انتشار الدراسات العربية والإسلامية في بلاده . وكان يرى في الإسلام منهجية وفلسفة خاصة تطبقها شعوب أواسط آسيا الإسلامية ، فزادت رغبته للتعرف إليه وإلى مبادئه وعقيدته . ومن هنا أخذ الاهتمام بهذه الأمور ينحو نحو الصبغة العلمية ، وكانت النتيجة تأليف المستشرق الروسي « كانتمير » كتابه الذي تناول فيه ظروف النشأة التاريخية للنبي العربي . وكان موضوعيا إلى أبعد الحدود في ما تناوله من قضايا في وقت عزت فيه هذه الموضوعية في أوروبا الغربية . وقام هذا المستشرق بالإضافة إلى ذلك بإنشاء
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 147
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص١٤٧