تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
المدرسة الاستشراقية الإسبانية التي تمتاز عن غيرها من المدارس الأوروبية في تركيزها على الإنتاج الفكري الذي تركه العرب في إسبانيا . وهي دراسة مبنيّة على الوثائق والآثار الدامغة وليست مؤسسة على الفرض والتخمين . كما تمتاز المدرسة الإسبانية بالدراسة العلمية الرصينة لاستنادها إلى الكتابات والمؤلفات والآثار العربية . كما تمتاز بالعمق في التحليل والسلاسة في العرض والوضوح في الأسلوب ، ونتائجها غالبا ما تكون مطابقة للفروض العلمية التي يهدف كل باحث للبرهنة على صحتها عند تناوله لأي موضوع علمي عندما يفترضها في مقدمة دراسته ثم يحاول البرهنة عليها في ثنايا بحثه وصولا بها إلى نتائج علمية تطابق صحة تلك الافتراضات . وهكذا كانت دراسات آسين بلاسيوس وريبيرا وكوديرا . لم توظف الدراسات الإسبانية لخدمة الأغراض السياسية نظرا لقرب إسبانيا من المغرب العربي واحتلالها منذ القدم لبعض المناطق كسبتة ومليلة ، وبعض الجزر الأخرى المبثوثة على الشاطئ المغربي . لأن هذا الاحتلال المبكر لم تسبقه دراسات علمية كبقية المستعمرات الأوروبية الأخرى . ولأنه كان نتاج رد الفعل للاحتلال العربي لإسبانيا وليس نتاجا لدراسات مسبقة متأنية روعيت فيها دراسة المناطق ، والسكان ، والحالة السياسية والاقتصادية والاجتماعية للمناطق المراد احتلالها . ولكن الاستشراق الإسباني قد تأسس منذ البداية على يد القساوسة والرهبان . وهؤلاء سعوا بإخلاص إلى التبشير بالدين المسيحي ، واستطاعوا إرغام المسلمين الإسبان على الارتداد عن دينهم بالقوة الجبرية خاصة إبّان فترة محاكم التفتيش الموصوم عهدها بالوحشية والإرهاب . وقد ساعد ذلك اهتمام إسبانيا بالمسائل الدينية وردود الفعل تجاه الإسلام الذي حاربته في بلادها باسم الدين والقومية . ولم يكتف الإسبان كما قلنا بطرد العرب من الأندلس ولكنهم واصلوا الزحف للاستيلاء على شمال إفريقيا وقد وصلوا فعلا حتى طرابلس التي وقعت تحت قبضتهم حتى طردهم منها الأتراك بعد أن سلموها لفرسان القديس يوحنا المتعصبين . يمتاز الاستشراق الإسباني بالتخصص في الحضارة العربية الإسلامية دون التطرق إلى مجالات الاستشراق الأخرى ، وقد ساعده على ذلك تلك الكنوز الثقافية والأثرية التي تركها العرب في بلادهم . ولم تتناول الدراسات الإسبانية من الناحية الجغرافية سوى إسبانيا في العهد الإسلامي والمغرب العربي وجزر الكناري . ولم يكن التخصص الفردي من مميزات هذه الدراسات لأن الكثير من الباحثين الإسبان يتناولون الدراسات
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 140 | ساسي سالم الحاج