تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
إن الإجابة عن التساؤلات السابقة هي النفي لا محالة . لأن في تلك الأرض الخلّابة ترعرعت الحضارة الإسلامية العريقة ، وآتت أكلها ، ونشرت نورها على بقية الأصقاع الأخرى . فأصبحت إبّان تلك الحقبة العربية الزاهرة في تاريخها محجا لطلاب العلم والمعرفة الأوروبيين القادمين إليها من أصقاع أوروبا المختلفة لاغتراف العلم من منابع جامعاتها العربية . وكانت النتيجة انبهار أولئك الطلبة بتلك الحضارة العريقة التي تناولت كلّ مناحي المعرفة الإنسانية . فتعلموا العربية أولا ثم تلقوا بها علومهم المختلفة ثانيا ، وعادوا إلى بلدانهم فنشروا تلك المعارف في ربوعها ثالثا . وكان إعجاب أولئك الطلبة بهذه الحضارة شديدا فاصطبغت الثقافة الأوروبية بالصبغة العربية لأجيال عدة خاصة في مجال الفلك والطب والرياضيات والفن والموسيقا . ثم أدت هذه العلاقات الثقافية المتبادلة إلى إثراء الفكر الإنساني بكامله بعد ترجمة الآثار والمؤلفات العربية إلى اللغة اللاتينية فزخرت جامعاتها بتلك المعرفة الإنسانية الرفيعة . وكانت النتيجة الأولى لتلاقح هذه الأفكار واختلاطها نشوء الاستشراق بمعناه العلمي الذي استخدم لتحقيق أهداف دينية كما أسلفنا بيانه . ومما ساعد على انتشار الثقافة الإسلامية في إسبانيا بعد خروج العرب منها تخصيص كراس في الجامعات الإسبانية لتدريس اللغة العربية وتكليف العديد من الأساتذة العرب للتدريس بها خاصة في مجال الطب والرياضيات وسائر العلوم المعروفة في ذلك الزمان . وعندما انتشرت روح التعصب الدينية في إسبانيا وما تلا ذلك من انتشار محاكم التفتيش وما ألحقته من أذى وتنكيل بالعرب واليهود هاجر منها أعداد غفيرة من المثقفين العرب واليهود ، فخمدت الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا وبقيت كذلك حتى تأسيس جامعة غرناطة عام 1540 م كاستمرار للجامعة العربية التي كان قد أسسها « يوسف الأول » في القرن الرابع عشر ، والتي انحصر فيها تعليم اللغة العربية حتى أواسط القرن الثامن عشر « 1 » . وعندما اهتمت أوروبا بالدراسات العربية والإسلامية في بداية القرن السابع عشر وامتد اهتمامها إلى دراسة الشرق بصفة عامة لتحقيق الأهداف الدينية والثقافية والسياسية والاستعمارية ، كانت إسبانيا من ضمن تلك الدول التي أولت اهتماما خاصا باللغة
هامش
( 1 ) د . ميشال جحا ، المرجع السابق ، ص 125 ،