المستشرق حول « المسألة الشرقية » محل انتقاد شديد من قبل زملائه الآخرين الذين يرون تكريس هذه الدراسات لأغراض علمية صرفة . وبذلك فإن من ذهب إلى القول بعدم خضوع الاستشراق الألماني لغايات سياسية أو استعمارية أو دينية قد جانبه الصواب خاصة إذا علمنا أن ألمانيا قد احتلت « التوجو » وبعض الأقاليم الواقعة في جنوب إفريقيا وأثارت القضية المراكشية مع فرنسا عشية الحرب العالمية الأولى . بل ولعل إشعالها لشرارة الحرب العالمية الثانية تنفيذا لنظريتها حول « المجال الحيوي الألماني » لأبلغ دليل على نيّاتها الاستعمارية .
نعم ، تميز الاستشراق الألماني بالدراسات الشرقية القديمة والحقبة الإسلامية واهتم بالآثار والأدب والفن ، وهذا النوع من الدراسات عادة ما يكون خاليا من تحقيق أية أغراض سياسية . ولكن الدراسات الاستشراقية الألمانية لم تقتصر على الميادين الكلاسيكية ، فكثيرا ما عالجت القضايا الحديثة للعالم العربي والإسلامي ، وهذه المعالجة لا تخلو أحيانا من محاولة تحقيق بعض الأهداف السياسية خاصة قبيل الحرب العالمية الأولى والفترة الواقعة بين الحربين العالميتين .
إن الاستشراق الألماني امتاز عن بقية المدارس الأوروبية الأخرى بغلبة الروح العلمي على أبحاثه والتي تتسم غالبا بالموضوعية والتجرد والإنصاف . ولكن هذه الروح العلمية قد استخدمت أحيانا لتحقيق أغراض سياسية . لأننا قد أسلفنا القول في اختلاط الدراسات العلمية بتحقيق الأهداف الأخرى .
يضاف إلى ذلك أن الروح العلمية التي تميزت بها المدرسة الاستشراقية الألمانية مبعثها تلك الخصال المميزة للشعب الألماني المجبول على الدقة البالغة ، والعناية الفائقة ، والصبر الجميل ، واتباع المنهج العلمي الصارم بأعلى المقاييس العلمية المتعارف عليها . ومع ذلك فلم يخل هذا المنهج العلمي الصارم من تحقيق أهداف سياسية .
نعم ؛ لقد جاءت الدراسات الاستشراقية الألمانية خالية من العداء للعرب أو التحامل عليهم . والسبب في رأينا يرجع إلى اهتمام هذه المدرسة بالتراث العربي القديم والآداب والآثار القديمة . ولكن هناك العديد من الدراسات الألمانية أساءت إلى العرب والمسلمين خاصة في ما يتعلق بمصدر القرآن ، وحياة النبي العربي ، وتطور الإمبراطورية الإسلامية وبيان نظام حكمها المعتمد على الثيوقراطية . ومع ذلك فإننا نرى أن هذه الأفكار التي لا توافقنا ليس مرجعها التعصب والهوى أو كره العرب ، ولكنها تعود إلى
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 135
مساهمون: ساسي سالم الحاج
ص١٣٥