تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
الدراسات العربية والإسلامية ونكتفي بهذا القدر الذي يعطي لمحة مركزة عن نشاطهم في هذا المضمار . ونتعرض إلى خصائص الدراسات الاستشراقية في ألمانيا ، ونؤكد أن معظم الباحثين العرب قد اتفقوا على عدة خصائص معينة تتميز بها ألمانيا في الخصوص أهمها : عدم خضوع الاستشراق لغايات سياسية أو دينية أو استعمارية بحجة أن ألمانيا لم يتح لها استعمار البلاد الإسلامية ، ولم تهتم بنشر الدين المسيحي في الشرق . وهذه الخاصية ليست صحيحة في إطارها العام لأن الاستشراق الألماني كان مبعثه تحقيق الأهداف الدينية ، وقد نشأ في بدايته لهذا الغرض خاصة عندما وقف جهده على دراسة التوراة واللغة العبرية باعتبارها مدخلا لفهم الإسلام واللغة العربية بالإضافة إلى مساهمات ألمانيا في الحروب الصليبية وخاصة الحملة الثانية منها . علما بأن المستشرقين الألمان في القرن الثامن والتاسع عشر اهتموا بتحقيق الأغراض السياسية لبلادهم . بل إن الرحّالين الألمانيين اللذين أشرنا إليهما في ثنايا بحثنا وهما « هورنمان وبارت » المسخران من قبل الجمعية الجغرافية البريطانية قاما برحلاتهما لتحقيق الأهداف السياسية الاستعمارية . فهذا بارت كثيرا ما يورد في ثنايا كتابه « الرحلات » عن الآفاق التجارية والاقتصادية التي يمكن للحكومة البريطانية جنيها من وراء توغلها في إفريقيا الوسطى . وكثيرا ما يستشهد ببعض الاضطرابات السياسية التي كانت تسود الممالك الإفريقية ويصفها بأنها أصبحت جاهزة للانقضاض عليها . وكثيرا ما ركز على الآفاق التجارية لمدينة « أغاديس وتمبكتو وسوكوتو » وغيرها من المراكز الإفريقية . بل إننا نراه في أحد مقاطع كتابه - وقد تعرض للاعتقال من قبل بعض القبائل الإفريقية - يقول « لو أتيحت لي الفرصة لناشدت الحكومة البريطانية باحتلال واستعمار هذه المنطقة في أسرع وقت ممكن » « 1 » . إن ألمانيا لم تتعفف عن استعمار البلاد العربية والمشرق ولكن الظروف الدولية منعتها من ذلك ، خاصة المنافسة البريطانية لها . وحاولت مرات عديدة النفاذ إلى الشرق عن طريق تركيا ، وجندت العديد من المستشرقين لتمهيد الأرضية اللازمة لهذا المشروع ومنهم « بيكر » إبان الحرب العالمية الأولى ، وقد كانت دراسات هذا
هامش
( 1 ) يؤسفني عدم استطاعتي الاستشهاد بالصفحة التي وردت فيها هذه المقولة الاستعمارية ، لأنني قرأتها بتركيز في كتاب بإرث ، ولم أستطع الاهتداء إليها في المجلدات الثلاثة التي تبلغ آلاف الصفحات . . . فليعذرني القارئ ، وإن كنت واثقا بوضوح ذاكرتي في هذا النقل .