كان قد امتاز بالأصالة والعمق في ما يتعلق بالشرق الأدنى وشمال إفريقيا وغربها ، إلّا أنه يمتاز بالسطحية وعدم الشمولية عند تناوله للأصقاع الشرقية الأخرى كالصين واليابان وإندونيسيا والملايو والتبت .
ولو رجعنا إلى تلك الدراسة الشاملة التي أعدتها « المجلة الآسيوية » عن الدراسات الاستشراقية الفرنسية خلال النصف الأول من القرن العشرين بمناسبة الذكرى المائة والخمسين لتأسيسها لوجدنا عمق الدراسات العربية والإسلامية وتنوعها وكثرتها وغزارتها وللاحظنا أيضا ضحالة وسطحية وقلة إنتاجها في الميادين الاستشراقية الأخرى « 1 » .
هكذا أتينا بإيجاز على الدراسات العربية والإسلامية في فرنسا مع التطرق لبيان خصائصها وإغفال منهجيتها لأنها ستكون مجالا لدراسة أخرى في فصل لاحق ، وننتقل إلى بيان هذه الدراسات الاستشراقية لدى إيطاليا .
المطلب الثاني خصائص الدراسات الاستشراقية في إيطاليا
ترتبط شبه القارة الإيطالية بروابط تاريخية وجغرافية وثيقة بشمال إفريقيا والشرق . ويرجع هذا الارتباط إلى القرون السحيقة عندما استولت روما على هذه المناطق واستعمرتها لأحقاب طويلة إلى أن تم طردها عن طريق العرب الذين لم يكتفوا بطرد الاحتلال الروماني ولكنهم عبروا البحر واستولوا على صقلية وجنوب إيطاليا ، وبقوا فيها مدة طويلة أثمرت لنا ثقافة رفيعة كان لها شأنها الذي لا يستهان به في ظهور عصر النهضة ثم ما تلاها من عصر التنوير الأوروبي . وهكذا امتدت هذه العلاقة الثقافية عصورا طويلة بين مدّ وجزر ، بين السعي لتحقيق أهداف دينية وبين تطورها لتحقيق أهداف سياسية واستعمارية حيث كانت بلادنا مسرحا خصبا لها والتي كنا نعاني من آثارها إلى الأمس القريب .
وبالرغم من غلبة الأهداف الدينية ثم السياسية على الاستشراق الإيطالي فإنه قد
هامش
( 1 ) انظر هذه الدراسة المنشورة في المجلة الآسيوية « بالفرنسية » سنة 1973 م ، ص 295 .