تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 115

مساهمون:

ص١١٥
المستعرب جاك بيرك الذي سيطر بجدارة على هذا الميدان وذلك عندما بدأ بدراسة العادات والعقليات المغربية ، وانتهى بمعالجة المسائل الإنسانية المتعلقة بالشعوب الإسلامية . وقد تميز في هذا الميدان بالخصوص رودنسون بداية من كتابه « محمد » و « جاذبية الإسلام » مرورا « بالإسلام والرأسمالية » و « الإسلام والشيوعية » والعديد من المقالات والبحوث المتخصصة التي تناولت الدراسات الإسلامية مشفوعة بتحليلات عميقة ذات فائدة عظيمة . أمّا بالنسبة إلى الدراسات القانونية ، فقد تميز في هذا الميدان السيد مايّو
Milio
الذي دبج كتابا هاما بعنوان « القانون الإسلامي » ، وتلاه بيرجيه فاشون بكتابه « القانون الإسلامي المقارن » . ومساهمات « برونشفج » لا يمكن إغفالها في ما يتعلق بعلم أصول الفقه وغيرها من الدراسات المنهجية التي تناولت الشريعة الإسلامية . هكذا حاولنا في هذا المطلب إعطاء نبذة موجزة ومركزة عن الدراسات العربية والإسلامية في فرنسا منذ نشوء الظاهرة الاستشراقية حتى وقتنا هذا . ونلاحظ على هذه الدراسة عمقها وشموليتها وتعددها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ثم تناقصها التدريجي وسطحيتها في النصف الأول من القرن العشرين . ونلاحظ ازدهار هذه الدراسات قبل الفترة الاستعمارية وإبانها خاصة في ما يتعلق بشمال إفريقيا والشام . ثم انحسارها تدريجيا بعد انتهاء هذه الفترة التاريخية التي حاول الغرب إبانها إعادة سيطرته على الشرق من جديد . ولو أردنا بعد هذا العرض استخلاص خصائص الدراسات الاستشراقية في فرنسا لوجدنا أنها تمتاز بالشمولية والتعدد . فهي لم تترك ميدانا من ميادين المعرفة الشرقية إلّا تناولته بحثا ونقدا وتمحيصا ، فقد تعرضت لجميع أنواع المعرفة الشرقية من لغات وآداب وتاريخ وجغرافيا وآثار وقانون . كما تعرضت للشرق بكامله من الناحية الجغرافية ، ولم تقتصر على الشرق الأدنى والدول الإسلامية بل تناولت بالإضافة إلى ذلك تركيا وفارس ، والحضارات الآشورية والبابلية والمصرية القديمة . كما تناولت بمزيد من التركيز ودون تعمق علمي كبير جنوب شرق آسيا والتبت والهند والصين وإندونيسيا واليابان . والسبب في رأينا أن الاستشراق قد نشأ من الناحية العلمية في فرنسا ، وترعرع على يدي مستشرقيها وعلمائها بما هيئ له من وسائل علمية مختلفة كالمعاهد والجمعيات والجامعات وغيرها من المؤسسات التي أشرنا إليها في إبانها . كما أن اهتمام فرنسا بميادين الشرق وشمال إفريقيا وغربها من الناحية السياسية اضطرها
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 115 | ساسي سالم الحاج