الدراسات إمّا لقلة أهميتها ، وإمّا لقلة غزارة إنتاجها ، وإمّا لتصنيفها ضمن هذه المجموعة التي أتينا بالتخصيص على ذكرها . وأخيرا فإن المقام لا يسمح لنا بالتعرض لهذه الدراسات في سائر أرجاء المعمورة لأن ذلك الأمر يتطلب منّا دراسة ومنهجا يغايران ما عزمنا على تنفيذه وخططنا له وحددناه في مقدمة كتابنا . وإذا ما أطلقنا على تقسيمنا مصطلح « خصائص الدراسات الاستشراقية » في البلدان التي ذكرناها فإننا لا نقصد من ذلك بيان الخطوط الأساسية لهذه الدراسات ومميزاتها في كل بلد من هذه البلدان . كما أننا لا نقصد من وراء ذلك إيجاد خصائص معينة لهذه الدراسات تمتاز بها عن البلدان الأخرى ، ولا نبتغي البتّة إطلاق أحكام عامّة على هذه المدارس الاستشراقية ، وتصنيفها من حيث سلبيتها وإيجابيتها لأن هذه الدراسات قد سبقنا إليها الكثيرون ، ولأننا نقتصر في دراستنا على القضايا العربية والإسلامية دون التطرق إلى مجالات الاستشراق الأخرى زمانا ومكانا ونوعا . ولأن التطرق إلى خصائص المدارس الاستشراقية الكبرى لا يندرج تحت النشاط العلمي للاستشراق ولكن يمكن تصنيفها ضمن نطاق المناهج العلمية لهذه المدارس وهو الأمر الذي أفردنا له فصلا خاصا .
وفي الختام فإنه يجب أن يفهم من العناوين المدبّجة تحت خصائص الدراسات الاستشراقية في البلدان المذكورة من أنها يقصد بها مجال الدراسات العربية والإسلامية في هذه البلدان وبيان تنوعها وأشهر المستشرقين الذين كتبوا حولها ، مع بيان خصائصها في شيء من الإيجاز حسبما يقضيه الحال والمقام .
المطلب الأول خصائص الدراسات الاستشراقية في فرنسا
أشرنا في الفصول السابقة إلى الدور الذي لعبته فرنسا في الدراسات الاستشراقية من تأسيس مدارس ريمس وشارتر لتدريس اللغة العربية ، وإلى إنشاء كراس للعبرية والعربية والكلدانية في باريس وبعض المدن الأوروبية الأخرى بعد مجمع فيينا المنعقد تحت رئاسة البابا كليمانس الخامس عامي ( 1311 - 1321 ) . وإلى إنشاء كرسي للدراسات الإسلامية في جامعة السربون والتي ألحق بها معهد الدراسات الإسلامية .
وأشرنا بشيء من الاقتضاب إلى إنشاء وأهمية المدرسة الوطنية للغات الشرقية الحيّة عام 1795 م ، والتي زودت المترجمين والعلماء المتخصصين الذين استعان بهم