تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
سنقتصر على هذا النوع من المعرفة دون التطرق إلى مجالات الاستشراق الأخرى التي تتناول الشرق بصفة عامة كالدراسات الهندية والصينية والأندونيسية . وسنقتصر في تحليلنا على نشاط الاستشراق العلمي في مجال الدراسات العربية والإسلامية . لعلّ القارئ يلاحظ أننا قد أشرنا إلى العديد من النشاط العلمي الاستشراقي عند استعراضنا للمراحل الدينية والعسكرية والسياسية التي مرّ بها . وقد وقفنا في سردنا لذلك النشاط عند انتهاء الحملة الفرنسية على مصر وما لها من آثار واضحة على الدراسات الاستشراقية ، ونود في هذا الفصل بيان النشاط العلمي للظاهرة الاستشراقية منذ نهاية الحملة الفرنسية على مصر إلى وقتنا هذا . إلّا أنه نظرا لاتساع هذه المرحلة الزمنية وشموليتها العلمية ، وانتشارها في أصقاع عديدة من العالم الغربي ابتداء من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وانتهاء بالاتحاد السوقيتي والولايات المتحدة ، فإننا سنضطر إزاء هذا الاتساع المذهل لهذه الدراسات إلى الاقتصار على الدراسات العربية والإسلامية مع بيان خصائص كل بلد ، لأننا لا نستطيع مهما أجهدنا أنفسنا الإلمام بنشاط الاستشراق في جميع ميادين المعرفة التي تناولها . ومع ذلك فإن البحث العلمي يقتضي منّا البحث في ما خلّفه علماء الاستشراق في مجال الدراسات العربية حتى قبل ظهور الإسلام ، ثم التطرق إلى هذا النشاط ومجاله بعد ظهور الإسلام وانتشار الحضارة العربية الإسلامية وسيطرتها على مقدرات العالم الثقافية لقرون طويلة حتى انحدارها وحلول الحضارة الغربية محلها . ولعلّ من نافلة القول الإشارة إلى الدور الذي لعبه المستشرقون في تدوين التاريخ الجاهلي ، وبيان مصادره ، والكشف عن جذوره وهي دراسات اعتمدت على أعلى المقاييس العلمية الصّارمة وذلك باعتمادها على المقابلات والمطابقات ونقد الروايات والاستفادة من المصادر العربية والأجنبية ، والكشف عن الآثار والنقوش المغمورة في اليمن والجزيرة العربية . وهذا المجهود المبذول من قبلهم محمود لأنه لم يمتزج بتحقيق أغراض أخرى غير المعرفة العلمية لذاتها . فقد اكتشفوا خط المسند القديم ، واستخلصوا ما جاء فيه من أمور تتعلق بتاريخ العرب قبل الإسلام . وقد ساعدهم في ذلك إتقانهم للعديد من اللغات الشرقية القديمة كالعبرانية ، والسريانية ، والبابلية نظرا للرابطة السامية التي تجمع بينها ، ومن هنا كان من السهل عليهم فهم وتحليل ما ورد في الكتابات الجاهلية . يضاف إلى ذلك أن العديد من المستشرقين قد زاروا منطقة الجزيرة العربية على شكل رحّالة وسيّاح ، وتعرضوا لأخطار محققة ،
نقد الخطاب الاستشراقي — صفحة 103 | ساسي سالم الحاج