[ مشكلة حفظ القرآن وحلها « 1 » ]
تلك هي المشكلة : تحفيظ القرآن الكريم ، فقد درجت المناهج في مصر ، وتقرّر في أذهان الناس : أن تحفيظ القرآن جزء من منهج التعليم لأول أدواره ، إذ إنّ هذه السن هي وقت قوة الحافظة والذاكرة ، ولا يتيسر حفظه فيما بعد ذلك . وصار هذا عرفا يجد الناس في مخالفته كثيرا من الحرج ، ويخيّل إليهم أن ذلك ضياع لكتاب الله ، وترى من جانب آخر أن اشتغال الطلبة بحفظ القرآن كله في هذه السن يفوّت عليهم كثيرا من استخدام مواهبهم العقلية ، ويعطّل كثيرا من قواهم النفسانية ، ويرسم القرآن في عقولهم وقلوبهم ألفاظا لا معنى لها ، ويعوّدهم القراءة بدون تفكير ولا تدبّر في مستقبل حياتهم ، فهذه الطريقة إن خرجتهم أوعية القرآن فقد حرمتهم لذة تدبّره ، وثمرة التفكير في معانيه ومقاصده .
والمشكل قديم ، وقد عالجه أبو بكر بن العربي ، وأشار إليه وأبان أن التحفيظ ابتداء طريقة المشارقة ، ونقد هذه الطريقة نقدا مرّا ، وزكّى طريقة المغاربة والأندلسيين في البدء بتعليم اللغة ، وتذوّق الأدب ، ثم يأتي دور دراسة القرآن بعد ذلك .
ونحن نريد أن نوفق بين حفظ كتاب الله والمحافظة عليه ، وبين الانتفاع بكل القوى والمواهب في الطفل ، وتربيتها جميعا تربية متناسقة ، بحيث يقوّى بعضها بعضا ، ويعضد بعضها بعضا ، ولنجمع بين الفائدتين ، ونقترح أن يوزع حفظ ثلث القرآن على الأدوار الثلاثة من أدوار التعليم السابقة ، الأولى ، والابتدائي والثانوي ، فيحفظ التلميذ في مدة دراسته التحضيرية أو الأولية جزءا واحدا فقط ، وفي دراسته الابتدائية أربعة أجزاء مع استذكار الماضي ، وفي دراسته الثانوية خمسة أجزاء مع استذكار ما سبق .
بذلك يكون كل متعلم في الأمة قد حفظ شيئا من كتاب الله ، ويكون كل من تخرّج من المدارس الثانوية قد حفظ ثلث القرآن ، وفي دور الدراسة العالية يحفظ كل طالب في كليات الآداب أو الدراسات الإسلامية الثلثين الباقيين ، بحيث لا يجاز بشهادته إلا إذا
هامش
( 1 ) نشرت في مجلة ( النذير ) في العدد ( 6 ) من السنة الثانية في يوم الاثنين الموافق 6 من صفر سنة 1358 ه .