تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
وهل أقفرت حياتهم الاجتماعية في أعصارهم التاريخية ودولهم الماضية من القضاء العادل والحكم المنظم والمحكمة التي كانت مصدر عدالة ومشرق نور وإنصاف وهداية ؟ ! ! والجواب على ذلك من كتاب الله ، ومن ميراث هذه الأمة الضخم ، ومن تاريخها المجيد لا لبس فيه ولا غموض . فقد وضع القرآن الكريم أصول قواعد المحافظة على الدماء ، والفصل فيها بآيات القصاص في القتل والجراحات . ووضع أصول قواعد المحافظة على الأموال والفصل فيها ، بتحريم الربا ، وفرض الزكاة ، وعقوبة السرقة ، وآداب التعامل . ووضع أصول قواعد المحافظة على الأعراض ؛ لسد أبواب الفتنة وذرائعها ، وعقوبة القذف ، وحد الزنا ، وتقديس الزواج ، وحاط ذلك بسياج من عقوبة المعتدين في الأرض ، فلم يدع زيادة لمتزيّد وتلك حدود الله ، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه . وبين أيدي الدارسين والباحثين : ثروة فقهية تشريعية ضخمة فخمة ، هي بقية مما ترك أولئك الأئمة الأعلام من رجالات الفقه الإسلامي ؛ الذين كانوا غرّة في جبين الدنيا ، ونجوما زاهرة في سماء العلم والمعرفة ، أمثال أبي حنيفة النعمان ، ومالك بن أنس ، ومحمد بن إدريس الشافعي ، وأحمد بن حنبل الشيباني ، والليث بن سعد المصري ، وداود الظاهري ، وغيرهم من المئات ، بل الآلاف . كانوا آية الله في الفطنة والذكاء ، وجودة البحث ، وصحة النظر ، ودقة الحكم ، وصدق الفراسة ، حتى ضرب بهم في ذلك كل الأمثال . وتاريخ الدول الإسلامية العظيمة حافل بالعدول من القضاة المحدثين ، ما كانوا يخشون في الحق لومة لائم ، وكان أحدهم يقضى على نفسه وعلى أقرب الناس إليه ، وعلى الأمير في إمارته ، والملك في عزّ سطوته ، لا تمنعه عظمة العظيم من أن يأخذ الحق منه لأصغر صغير . وهذه الحقائق ثابتة واضحة لا يجادل فيهن إلا الكفور ، فلما ذا نعدل عنها ونرضى أن نكون عالة على غيرنا في التقنين والتشريع وأصول التحاكم والقضاء ؟ ! فاصلنا الله على هذا ، ولن نكون مؤمنين إلا إذا رجعنا في ذلك كله إلى حكم الله وهل بعد هذه المصارحة من بيان :
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
[ النساء : 65 ] .