تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
تحارب به الجريمة التي حرّمتها كل الأديان ، ويحقق ما جاءت به التوراة والإنجيل والكتب السماوية جميعا ، ولا يصطدم مع نص من نصوصها ، ولا يتعرض للمؤمنين بها في عقيدة ولا عبادة ولا عمل من الأعمال ، فهل يكره أحد الإصلاح الاجتماعي الذي يحقق فعلا ما يريده دينه ، وما نص عليه كتابه لمجرد أنه ورد في القرآن أو أوحى به الإسلام ، ومن يكون المتعصّب إذن في هذه الحال ؟ ! !

[ مشكلة الأجانب ]

أما الأجانب فنريد أن نسأل من يرون في تطبيق هذه الأحكام صعوبة بالنسبة لهم : ما ذا يطبق علينا الأجانب في بلادهم من قوانين ؟ ! . . فإن قالوا : يطبقون قوانينهم . قلنا : فلما ذا لا نطبق عليهم نحن قوانيننا ؟ . . ولما ذا لا نضع أنفسنا معهم على قدم المساواة ، وما الذي يدعونا أن نستشعر أنا أقل منهم وأضعف ؟ . . وإن قالوا : يطبقون قوانيننا . قلنا : فلنطبق عليهم قوانينهم ، ويكون ذلك امتيازا بامتياز ، على أن الأمر الواقع أنهم يطبقون علينا قوانينهم ، ولا يعترضون إن طبقنا نحن عليهم قوانين البلاد ، ولا يحتاج الأمر منا إلا أن نؤمن بتشريعنا وأنفسنا .

[ مدى صلاحية الشريعة الإسلامية ]

ويقال : كيف نطبق شريعة مضى عليها ألف عام أو تزيد ؟ . . والجواب على هذا : أن هذه الشريعة نفسها قد احتاطت لهذه الأغراض فلم تورط نفسها في جزئيات الأمور ، ولم تتحكّم فيما يتجدّد بتجدّد الحوادث والأعصار ، وجاءت على نسق جعلها أعظم الشرائع مرونة وقبولا للتطور مع الأزمان والصلاحية للحكم في كل عصر ومكان حتى أثر عن أئمتها الأجلاء قول بعضهم : " تحدث للناس أقضيتهم بقدر ما أحدثوا من الفجور " « 1 » وما نصّ عليه فيها من عقوبات لا تتجاوز عدد أصابع اليد لجرائم أساسية وجدت مع الغريزة الإنسانية ، ولا يمكن كبحها إلا بهذا الأسلوب من التشريع الحازم الجرىء ، ومن قرأ كتب الفقه الإسلامية علم وصدّق ما نقول ، وأدرك جلال ما فيه من مرونة ودقة وانفساح واتّساع ، وقابلية لكل الظروف والأحوال .
هامش
( 1 ) قالها عمر بن عبد العزيز رحمه الله .