تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
وقد علمت نبأ ذلك الشيخ الذي طال به السجن في سبيل إيمانه « 1 » فأخذ تلامذته يعزّونه ، ويتلمّسون له سبيل النجاة ، فكان فيما قال لهم : إن حبسى خلوة ، وقتلى شهادة ، ونفيى سياحة ، وكل ذلك بأجره ، ولو ملأت لهم قلعتهم هذه ذهبا ما كافأتهم على ما ساقوا إلىّ من ثواب الله ، وإن جنّتى وبستاني في صدري . الله أكبر ، أرأيت يا أخي كيف يحيل الإيمان المصائب المنكبات نعما سابغات ؟ وكيف يصير الهموم الراسيات لذائذ مفرحات ، وصدق رسول اللّه الذي يقول ما معناه : " عجبت لأمر المؤمن ، إن أمره كله خير ، إن أصابته النعماء شكر ، وإن مسته الضراء صبر " « 2 » . وهذا أبو القاسم الجنيد « 3 » يقول : نحن من إيماننا بالله ومعرفتنا إياه في لذة لو عرفها ملوك الدنيا لقاتلونا عليها بالسيوف . ومن آثار الإيمان : عزّة سابقة تجعل المؤمن عزيزا بربه ، عظيما في نفسه ، لا يرى أحدا أعزّ منه ، إذ يستمد عزّته من اللّه لا من أحد من خلقه ، وإذ يدوى في نفسه صدى الآية الكريمة :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] ، إلى جانب الآية الكريمة :
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
[ النساء : 139 ] ، إلى جانب قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ
[ المنافقون : 8 ] .
هامش
( 1 ) هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه ، وقد نقل هذا الموقف عنه تلميذه الإمام ابن القيم في كتابه ( الوابل الصيب ) ص 22 . نقلا عن كتاب : ابن تيمية للعلامة أبى الحسن الندوى . ( 2 ) رواه أحمد ( 5 / 436 ، 437 ) و ( 7 / 26 ، 27 ) ومسلم ( 2999 ) وابن حبان ( 2896 ) والبيهقي في " الشعب " ( 4487 ) و ( 9949 ) عن صهيب الرومي رضي اللّه عنه . وقد ذكر الإمام الشهيد الحديث بمعناه ، ولفظه : " عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير وليس ذاك إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر ، وإن أصابته ضراء صبر " . وقد تقدم تخريجه . ( 3 ) هو أبو القاسم الجنيد بن محمد الخزاز ، وكان أبوه يبيع الزجاج ، فلذلك كان يقال له : القواريري . أصله من " نهاوند " ، ومولده ومنشؤه بالعراق . كان فقيها ، تفقه على أبي ثور ، وكان يفتى في حلقته ، من أئمة الصوفية المعتدلين ، مقبول على جميع الألسنة ، وقد تحدث عنه ابن تيمية وغيره كثيرا مزكيا علمه ومنهجه . انظر : طبقات الصوفية ص 36 .