تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
وقال السدى : نزلت في الأعراب الذين ذكرهم اللّه في سورة الفتح ، وهم أعراب من جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار ، كانوا يقولون : آمنا ليأمنوا على أنفسهم وأموالهم ، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلّفوا ، فأنزل اللّه عز وجل فيهم هذه الآية :
( قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا )
« 1 » . ولعلّ هذا هو أولى الأقوال بالصواب لما بين السورتين : الفتح والحجرات من رابطة في الترتيب المعنوي والوضعي ، واللّه أعلم .

[ شرح الآيتين ]

وفي الآية بحثان جديران بالعناية وإنعام النظر . أولهما : بيان حقيقة الإيمان وآثاره . وثانيهما : التفرقة بينه وبين مجرّد الإسلام .

[ حقيقة الإيمان ودرجات الناس فيه ]

فاعلم - يا أخي - أن الإيمان عقيدة قلبية تخالط القلب ، وتستولى على النفس ، وتتملك الفؤاد ، فترى المؤمن ذاكرا لعقيدته ، فانيا فيها ، مضحيا في سبيلها ، يراها في حلمه ويقظته وغدوّه ورواحه ؛ لأنها ملكت عليه نفسه ، واستولت على مواطن حسّه . والناس في الإيمان متفاوتون مختلفون درجات بعضها فوق بعض ، فأنت مصدق بشيء وسمعت عنه ، فإذا قرأت عنه بعد ذلك زاد إيمانك به وتصديقك فيه ، فإذا رأيت صورته ثبت هذا الإيمان في قلبك ، فإذا رأيته رأى العين ؛ وفتشت فيه ؛ وعرفت ظاهره ؛ وخافيه انتهيت إلى درجة من الإيمان لا تقبل شكّا ولا يتطرّق إليها وهن . كذلك إيمان المؤمن بالله تبارك وتعالى تتفاوت درجاته وتتباين منازله ، فمن الناس من يدّعون الإيمان وهم في هذه الدعوى كاذبون كالذين قال اللّه فيهم :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ ( 8 ) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ
[ البقرة : 8 ، 9 ] . ومنهم : من يؤمن في الرخاء حتى إذا عضّته الشدة بأنيابها انقلب على عقبه وكفر
هامش
( 1 ) المصدر السابق ( 7 / 350 ) .