ونصوصه ، ولكن كيفية هذا التنفيذ تختلف باختلاف البيئات والظروف وطبائع الأشياء ، فإذا كان الخلاف بين أفراد الأسرة فولى أمرها وراعيها وجيرانها ومعارفها مخاطبون بهذه الآية الكريمة ، وعليهم إنفاذها ، فإن لم ينفذها أفراد الأسرة رفعوا أمرهم إلى من يستطيع إلزامهم الحق ، وساعدوا ما استطاعوا على أن يعود الحق إلى نصابه بكل الوسائل الممكنة لهم .
وإذا كان الخلاف بين أفراد القرية أو البلد كان ذلك واجب الرؤساء والوجهاء وذوى الرأي والمكانة فيهم ، وإذا كان بين أفراد الأمة وهيئاتها كان ذلك واجب الإمام ، وهو الحاكم العام للمسلمين سواء كان خليفة أو ملكا أو أميرا ، وعليه أن يستخدم في ذلك الجيش الإسلامي ، ويكون من يجاهد البغاة في تلك المواقف بسبب بغيهم مجاهدا في سبيل اللّه .
وهكذا ترى دائرة التنفيذ تتّسع وتضيق بحسب حدود الخلاف وأقطاره .
وأظنّك عرفت من هذا أنّ القرآن الكريم وهو دستور العالم الشامل الكامل قد وضع بهذه الآية الكريمة نظام التحكيم " بروتوكول التحكيم " قبل أن يفكر الغربيون في عصبة الأمم بأكثر من ألف عام .
وأظنك عرفت أيضا : أن الآية قد أحاطت هذا النظام بسياج من العدالة والقداسة جعلته للحق وحده على حين نرى التحكيم الغربى كلمة حق يراد بها باطل ، ووسيلة كل ما يقصد من ورائها تلمّس الحيل ليصطبغ عدوان القوى على الضعيف بصبغة يقولون : إنها شرعية !
[ مبادئ اجتماعية قررتها الآية ]
وقد قررت الآية الكريمة للمسلمين عدة مبادئ من أسمى المبادئ الاجتماعية وأعظمها نفعا للأمم والشعوب منها :
أولا : وجوب وحدة الأمة والعمل على سلامة هذه الوحدة وصيانتها من العبث والبغى ، وفي ذلك يقول اللّه تبارك وتعالى :
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
[ آل عمران : 103 ] ، وهذا ما سنتحدث عنه في العدد القادم إن شاء اللّه .