ثم قال : يا أمير المؤمنين أما إن كان صادقا فقد خان الأمانة وأفشى السر ، وإن كان كاذبا فقد افترى ، وقد سمى اللّه الناقل : فاسقا ، فما كان الحق ليصفه بالفسق ، ويكون قوله عند أمير المؤمنين حجة ، فوبّخ الخليفة النّمّام ولم يأخذ بقوله ، فمن أدب الإسلام :
ألا يشجع المسلمون المتقوّلين ، بل عليهم أن يتأكدوا قبل أن يقدموا .
3 - أن من واجب المؤمنين : أن يرجعوا إلى قول اللّه ورسوله ، وأن يجعلوا قواعد الإسلام في كل شأنهم هي الأساس الذي تدور عليه تصرفاتهم ، فإنها من وضع الحكيم العليم ، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور ، وهم إذا فعلوا ذلك : فقد رشدوا وصاروا في عداد المؤمنين ، الذين تفضّل اللّه عليهم بنعمة الإيمان الكامل ، وامتنّ عليهم بحلاوتها ، وزين قلوبهم بأنوارها . وهنا مسألتان :
[ حكم التبيّن والتثبّت من الأخبار ]
1 - هل التبيّن والتثبّت واجب أمام خبر الفاسق الذي عرف بالفسق قبل النقل أم هو واجب مطلقا ، ولا يثبت وصف الفاسق للناقل إلا بعد ثبوت كذبه وافترائه ؟
والذي يمكن أن نستفيده من الآية الكريمة : أن التثبت واجب أمام خبر الفاسق الذي عرف بالفسق قبل النقل وجوبا مؤكدا .
وواجب أمام الأخبار مطلقا وجوب احتياط ، وأن الوصف لا يثبت مع النقل إلا بأحد أمرين : إما أن يقصد الإفساد بنقله هذا ولو كان صحيحا ، وإما أن يثبت كذبه .
[ هل وقوع الخطأ من الصحابي ينفى عدالته ؟ ]
2 - وهل يستدل بهذه الآية الكريمة على أن من الصحابة رضوان اللّه عليهم من ليس بعدل ؟
وفي هذه المسألة أقوال كثيرة لا نفيض في ذكرها ولكنا نجمل ، ونقف مع الآية الكريمة فنقول : إن الصحابة رضوان اللّه عليهم ليسوا بمعصومين عن الوقوع في الخطأ ، وهذه الآية تدل على أن واحدا منهم ارتكب خطأ وأذنب ، ولكنهم مع هذا أقرب الناس إلى التوبة ، وأرجاهم قبولا عند اللّه تبارك وتعالى ، والتوبة النصوح تمحو ما قبلها . فلئن كان الناقل فاسقا حين النقل ، فهو عدل بعد التوبة النصوح « 1 » ، وأنت عليم أن ماعزا
هامش
( 1 ) انظر : البحر المحيط ( 8 / 109 ، 110 ) .