تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠

[ ترجيح بين الروايات ]

وعندي : أنه ليس ما يمنع من أن تكون الثانية متممة للأولى ، بأن يكون الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد أرسل الوليد بن عقبة وفقا للرواية الأولى ، فلما خاف وعاد وكان منه ومن القوم ما كان ، ووشى بهم إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فأرسل إليهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم خالدا وأوصاه بالتبين وفقا للرواية الثانية ، وبذلك يجمع بين الروايتين ، ولا سيما ورئيس البعث في كليهما خالد ، والسبب فيهما واحد ، والواشي مجهول في الثانية مذكور في الأولى ، ومهما يكن فقد عرفت أن السبب : أن واشيا وشى بقوم إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فأرشد اللّه عباده إلى ما يجب أن يكون في مثل هذه القضية .

[ شرح الآية ]

ومعنى الآية الكريمة على هذا : يا أيها الذين آمنتم وصدقتم بكتاب الإسلام ورسول الإسلام : ليكن شأنكم إذا نقلت إليكم الأخبار والأنباء : أن تتأكدوا من صحتها ، وتتبينوا حقيقة شأنها ، ولا تأخذوها على علّاتها ، فقد يؤدى ذلك إلى عمل غير محكم يؤدى إلى الندم . فعليهم أن يقلّبوا الأمور على وجهها ، ويزنوها بميزان العقل والحكمة والتبصر ، ثم بين لهم تبارك وتعالى - بعد ذلك - أن بين ظهرانيهم ميزانا آخر عليهم أن يزنوا به هذه الأمور فيرجعوا إلى أمره وينزلوا عند حكمه ، ذلكم هو : الوحي ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فإذا كانت القاعدة العامة في إدراك حقائق الأشياء نلمسها بنور العقل ، فليعلم المؤمنون أن بين ظهرانيهم طريقا آخر لإدراك هذه الحقائق هو الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، الذي ينزل عليه أمر اللّه ووحيه ، فعليهم أن يطيعوه ، وأن يرجعوا إلى رأيه في مثل هذه الشؤون ، ولو أنه صلى اللّه عليه وسلم أطاعهم ، ونزل على رأيهم ، وهم لم يتبيّنوا في كثير من الشؤون حقيقتها لأصابهم من ذلك جهد ومشقة ، ولكن اللّه تبارك وتعالى حبّب الإيمان والتصديق والتفويض والتسليم لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى نفوس المؤمنين ، وزيّنه في قلوبهم ، وبغّض إليهم الخروج على رسوله صلى اللّه عليه وسلم ودينه القويم ، سواء كان ذلك الخروج كفرا وهو أشد المعاداة ، أو فسقا وهو المخالفة في الكبائر ، أو عصيانا وهو مطلق المخالفة ، فقد تدرّج من الكبير إلى الصغير ،