فكأن المخالفة بكل أنواعها بغّضها اللّه إلى المؤمنين ، وهم بذلك في رشاد وهدى فضلا من اللّه تفضّل به عليهم ، ومنّة قدمها إليهم ، وهو عليم بجميع شؤونهم ، حكيم في منحهم فضله ومنّته ، وإذا كان هذا هو شأن المؤمنين فعليكم يا أصحاب محمد صلى اللّه عليه وسلم ويا من جاء بعدهم : أن تكونوا على هذا الوصف حتى تكونوا من الراشدين الفائزين بفضل اللّه ومنّته .
[ أحكام مستفادة من الآية ]
ونستطيع أن نستفيد من [ هذه ] الآية الكريمة هذه الأحكام جميعا وفوق كل ذي علم عليم :
1 - أن النميمة والوشاية وتقوّل الوقائع الكاذبة على الناس بغير حقيقة : نوع من أنواع الفسق يدمغ صاحبه بوصف من أوصاف العار ، ويجعله بعد أن كان طائعا فاسقا ، فهو عمل من أكبر الكبائر ، ومن علامات الكبائر في الدين : أن يرد فيها وعيد ، أو وصف كهذا الوصف المقيت البغيض .
2 - أن من واجب المؤمنين أمام هذه الأخبار : أن يتثبّتوا من صحتها ، وألا يعملوا بها حتى تثبت لديهم ، فإنّ الواشين هم آفة الصّلات ، وهم الذين يشقّون العصا .
وما تهدمت الروابط ، ولا انقطعت الأواصر ، ولا تحركت فتنة نائمة ، إلا وكان سبب ذلك فرية منقولة ، أو وشاية متقوّلة .
ولقد وشى بعضهم برجل إلى أمير المؤمنين على كرم اللّه وجهه ، فقال للواشى : يا هذا : إن شئت جمعنا بينك وبين الرجل ، فنظرنا صدق ما جئت به ، وإن شئت أقلناك ، ولا تعد ، فقال : أقلني أقالك اللّه يا أمير المؤمنين ، فتركه ، فقام يجرّ أذياله خجلا .
ووشى بعضهم بصاحب له إلى أحد الخلفاء ، فلما جمع بينهما تمثّل الموشى به بقول القائل :
وأنت امرؤ أما ائتمنتك صادقا * فخنت وأما قلت قولا بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننا * بمنزلة بين الخيانة والإثم