« اتفقت كلمة البشر موحدين ووثنيين ، مليين وفلاسفة - إلا قليلا لا يقام لهم وزن - على أن لنفس الإنسان بقاء تحيا به بعد مفارقة البدن ، وأنها لا تموت موت فناء ، وإنما الموت المحتوم هو ضرب من البطون والخفاء ، وإن اختلفت منازعهم في تصوير ذلك البقاء وفيما تكون عليه النفس فيه ، وتباينت مشاربهم في طرق الاستدلال عليه . . . هذا الشعور العام بحياة بعد هذه الحياة المنبث في جميع الأنفس عالمها وجاهلها ؛ وحشيها وإنسيها ؛ باديها وحاضرها ؛ قديمها وحديثها ، لا يمكن أن يعد ضلة عقلية ، أو نزعة وهمية ، وإنما هو إلهام من الإلهامات التي اختص بها هذا النوع .
قد ألهمت العقول ، وأشعرت النفوس : أن هذا العمر القصير ليس هو منتهى ما للإنسان في الوجود ، بل الإنسان ينزع هذا الجسد كما ينزع الثوب عن البدن ، ثم يكون حيا باقيا في طور آخر وإن لم يدرك كنهه ، ذلك إلهام يكاد يزاحم البديهة في الجلاء » اه .
وثم برهان آخر غير هذا البرهان الفطري ألفتك إليه وأوجه نظرك نحوه ، ذلك أن نظام هذا الكون وما فيه ، ومنزلة الإنسان منه ، يدلك أوضح الدلالة على أن هذه الحياة القصيرة الأمد التي تحسب بأعوام قلائل ، مهما طالت فهي مدة محددة وفترة معدودة لا تتناسب أبدا مع الحكمة في تكوين هذا الإنسان وإبداعه هذا الإبداع ؛ وتمييزه بهذا العقل المفكر والفكر المدبر ؛ الذي سخر اللّه له ما في السماوات وما في الأرض جميعا ، فإذا انتهت سعادة الحيوان بحصوله على مطالب جسمه ، وانتهت سعادة النبات ببلوغه حد نموه ، فإن نفس الإنسان قد خلقت مستعدة لقبول معلومات غير متناهية ؛ من طرق غير محصورة شيقة إلى لذائذ غير محدودة ؛ ولا واقفة عند غاية ، مهيأة لدرجات من الكمال لا تحددها أطراف المراتب والغايات ، ومن كان كذلك لا يصح أن يكون بقاؤه قاصرا على أيام أو سنين معدودات ، وتأمل سر ذلك الخلق في قول اللّه تبارك وتعالى :
أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ ( 115 ) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ
[ المؤمنون : 115 ، 116 ] .
والقول بأن بعث الأجساد بعد فنائها أمر يصطدم بنواميس الكون المقررة ولا يتفق مع المشاهدة : كلام سقيم لا حجة عليه ولا برهان معه .