فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 32 ) قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ
[ هود : 32 ، 33 ] .
كما حكى عن كفار قريش في كثير من الآيات في سورة الأنفال :
وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ الآية :
32 ] ، وقد سبق الكلام عليها في الجزء التاسع من هذا التفسير ، وجاء قبل ذلك في سور كثيرة :
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْ لا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 53 ) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
[ العنكبوت : 53 ، 54 ] ، وفي سورة يونس :
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
« 1 » [ يونس : 48 ] ، الآيات من 49 إلى 55 وقد تقدم الكلام عليها في الجزء الحادي عشر فليراجع « 2 » .
وهذا الخلق غريب حقا في الإنسان ، فإن مقتضى العقل السليم الذي يتجلى به هذا الجنس البشرى : أن يطلب الهداية والعافية بدلا من العذاب والنقمة ، وما أظرف رد السبئى الذي خاطبه معاوية بقوله : « ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة » فقال :
« أجهل من قومي قومك حين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، ولم يقولوا : فاهدنا له ! » « 3 » .
ولعل السر في ذلك : أن الإنسان مفطور على نوع من التعالى والكبرياء يجعل قبوله للحق أمرا شديدا على نفسه ، لا يستطيعه إلا من ألهمه اللّه الرشد وهداه سواء السبيل ، وقد سبق في الجزء الأول من هذا التفسير إشارة لطيفة إلى هذا المعنى فقد جاء هناك ما نصه : « إن كل قوة من قوى هذه الأرض ، وكل ناموس من نواميس الطبيعة فيها خلق خاضعا للإنسان ، وخلق الإنسان مستعدا لتسخيره ولمنفعته ، إلا قوة الإغراء بالشر ، وناموس الوسوسة بالإغواء الذي يجذب الإنسان دائما إلى شر طباع الحيوان ، ويعيقه عن
هامش
( 1 ) ورد قوله تعالى :وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَفي ستة مواضع من القرآن الكريم : في سورة يونس : 48 ، وسورة الأنبياء : 38 ، وسورة النمل : 71 ، وسورة سبأ : 29 ، وسورة يس : 48 ، وسورة الملك : 25 .
( 2 ) انظر : تفسير المنا ، ط دار الكتب العلمية ، بيروت 329 .
( 3 ) انظر : الكشاف للزمخشري ( 2 / 217 ) .