الحكيم لمن أراد أن يعمل فيها فكره ، ويوجه إليها أشعة بصيرته ، وهذه الآيات تظهر لكل لأحد على قدر علمه وفهمه ، وجودة فكره وصفاء ذهنه وصدق توجهه ، فأما علماء الهيئة والنبات وغيرهم من الباحثين في علوم الكون فهم يعرفون من نظامها ما يدهش العقل ، وأما سائر الناس فحسبهم هذه المناظر البديعة ، والأجرام الرفيعة والعوالم العجيبة ، وما فيها من الحسن والروعة والجمال .
( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ )
من دقائق البلاغة في تركيب هذه الآية الكريمة : أن تقرأ هذه الجملة منها منفصلة عما سواها ، فتفهم أن المراد بذلك : لفت النظر إلى التأمل في طبيعة الأرض وأسرار تكوينها ، ففيها قطع متجاورات ، ولكنها تختلف في العناصر ، وتتنوع في الطبائع ، وتتباين في المواد والصفات ، باختلاف بعض العوارض الطبيعية فترى في الأرض قطعة خصبة يانعة لما يجرى فيها من أنهار وما ينبع منها من ماء ، وبجوارها صحراء قاحلة قد حرمت هذه المزايا وعطلت من تلك الخواص ، وترى قطعة من الأرض معتدلة العناصر صالحة للزرع ، وإلى جوارها سبخة مالحة لا تمسك ماء ولا تنبت زرعا ، وترى سهلا فسيحا منبسطا يمتد في سفح جبل عالي الذرا شامخ القمة وفي كل ذلك فوائده ومنافعه للناس .
هذه المعاني الكثيرة تتوارد إلى ذهنك إذا قرأت هذه الجملة منفصلة عما بعدها من بقية الآية الكريمة ، فإذا وصلتها بهذه البقية تبادر إلى ذهنك معنى آخر هو : أن المراد الاعتبار والتفكر في اختلاف ألوان النبات وصنوفه ، مع أن الأرض التي يزرع فيها متجاورة متحدة الخواص والماء الذي يسقى به كذلك ، ولكنه هو ينبت مختلفا في شكله ، فهو صنوان وغير صنوان ، وفي طعمه فبعضه يفضل بعضا في الأكل .
( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ )
وفي الأرض كذلك جنات وحدائق وبساتين ، فيها الأعناب ونحوها من النباتات المستقلة ، وفيها الزروع ونحوها من النباتات الحشيشية السابقة ، وفيها كذلك النخيل ونحوه من الأشجار العظيمة الكثيرة الأغصان والأوراق .
( صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ )
متشابهة وغير متشابهة أو مفردة الساق ومزدوجة ، كما قال تبارك وتعالى :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ
[ الأنعام : 141 ] .