ذهب كثير من المفسرين إلى أن المقصود من ذلك : أن اللّه جل جلاله جعل كل نوع من أنواع ثمرات الدنيا صنفين ، إما في اللونية كالبياض والسواد ونحوهما ، أو في الطعمية كالحلو والحامض ونحوهما ، أو في القدر كالصغر والكبر ، أو في الكيفية كالحر والبرد .
وقال الفراء : إن المراد بالزوجين : الذكر والأنثى .
وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله :
( جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ )
قال : ذكر وأنثى من كل صنف .
وأنت إذا عرفت ما قرره النباتيون من أن الاتحاد في كل أصناف النبات لا يكون إلا بعد ( الإخصاب ) الذي يكون بعد التلقيح ، وأن الأزهار النباتية منها ما هو ذكر ومنها ما هو أنثى ومنها ما هو مزدوج ، ففيه أعضاء الذكورة والأنوثة معا . علمت مبلغ الإعجاز في هذه الآية الكريمة ، وأنها تشير إلى قانون نباتى لم يكتشف إلا في الأعصار الحديثة ، ورجحت بهذا ما ذهب إليه الفراء ومجاهد من أن المراد بالزوجين الذكر والأنثى .
ولا يرد على هذا أن بعض الثمار ينمو من غير تلقيح كالدرنيات مثل نبات البطاطس ونحوها ، فإن هذه ليست ثمارا حقيقية ، ولكنها امتدادات أو جذور من جسم النبات الأصلي ، تنمو بقوة التوالد الخضري .
( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ )
تقدم الكلام على ذلك في سورة الأعراف « 1 » عن قوله تعالى :
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً
[ الأعراف : 54 ] ، وملخص ما قيل هناك : أن معنى التغشية أو الإغشاء : التغطية . وفي قراءة التشديد : المبالغة والكثرة ، والمعنى : أن اللّه قد جعل الليل الذي هو الظلمة يغشى النهار وهو ضوء الشمس على الأرض ، أي يتبعه ويغلب على المكان الذي كان فيه ويستره ، وأن مسألة الليل والنهار صارت معلومة بالقطع في هذا
هامش
( 1 ) أي تقدم شرحها في تفسير المنار ، فكلما يشير الإمام البنا إلى تفسير آية سبق تفسيرها ، إنما يقصد بذلك تفسير المنار ، وذلك نظرا لأنه يشرح سورة الرعد في مجلة ( المنار ) التي كان يملكها ويحررها الشيخ رشيد رضا رحمه اللّه .