( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ )
هذه الجنات والأعناب والزروع والنخيل يسقى بماء واحد ، وتزرع في قطع متجاورة من الأرض ، ثم تختلف بعضها عن بعض في الطعم ، فمنها الحلو ومنها الحامض ، ومنها المز ، ومنها المر .
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : « هذا حامض وهذا حلو ، وهذا دقل وهذا فارسي » « 1 » ، بل إن الصنف الواحد من النبات قد يزرع في الأرض المتجاورة ويسقى بالماء الواحد ، ثم يختلف طعم بعض ثمراته عن بعض .
ويقول علماء النبات : إن ذلك الاختلاف يرجع إلى طبيعة الجنين المستقر في البذور ، وما ينجم عنه من جذور تمتد في باطن الأرض ، ثم تمتص منها ما يناسب هذا الجنين ويوافق أطوار حياته ، حتى ينمو ويصير شجرة كاملة تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ، فما يمتصه جنين الفول من أجزاء الأرض غير ما يمتصه جنين القمح من هذه الأجزاء ولو في نسب العناصر المختلفة ، وما يمتصه العنب غير ما يمتصه الخوخ والتفاح ، وهكذا فسبحان من أعطى كل شئ خلقه ثم هدى .
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )
إن في هذه العجائب جميعا : لدلائل على قدرة الخالق وعظمته ، لقوم يستخدمون عقولهم في إدراك الحقائق وتعرفها .
[ لطيفة ]
ومن دقائق البلاغة في الآيات الكريمة : الإشارة إلى مراتب الاعتقاد في تدرج وتلطف ، فإن النظر في عوالم السماوات والعرش والشمس والقمر كما هو في الآية الثانية من السورة ، يؤدى إلى اطمئنان القلب ، وحسن اليقين ، ولذلك ختمها بقوله :
( لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ )
.
والتأمل في عوالم الأرض ومدها ، وما فيها من جبال وأنهار ، وصلتها بغيرها من العوالم ؛ تلك الصلة التي تظهر في تعاقب الليل والنهار ، يؤدى إلى : يقظة الفكر ، وجودة النظر ، ولذلك ختمها بقوله :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )
.
هامش
( 1 ) رواه الترمذي مرفوعا ( 3117 ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه ، وقال : حسن غريب . وابن جرير ( 13 / 69 ) . انظر : جامع الأصول ( 2 / 201 ) .