والبحث في عوالم النبات وعجائب حياته - بعد حياة القلب باليقين ، وصحة الفكرة - يؤدى إلى : كمال العقل وتمام المعرفة ، ولذلك كان ختام الآيات :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ )
فاليقين شعور يلتئم مع الفكرة فينتج العقل الكامل
( وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا )
.
الحث على تعلم هذه العلوم :
ولعل من ناقلة القول : أن نذكر أن ورود هذه الآيات بهذا الأسلوب في القرآن الكريم ، أكبر دافع للمسلمين إلى أن يدرسوا هذه العلوم ، ويستبحروا في دراستها ، ويأخذوا منها بالنصيب الأوفر ، فهي وسيلتهم إلى معرفة اللّه تبارك وتعالى .
وقد اعتبر الإسلام التفكر في هذه المصنوعات الربانية ، والتبحر في دراسة أسرار الكون : عبادة لا تعدلها عبادة ، وهم بذلك يستطيعون أن يدفعوا عن دينهم شبهات بعض الذين عرفوا قشورا من هذه المعارف ثم راحوا يهاجمون بها العقائد ، مخادعين بأن العلم يناقض الدين ، وهو كلام كاذب لا حجة عليه ، بل إن معرفة الكون هي الوسيلة الصحيحة لمعرفة اللّه في نظر الإسلام ، ومن كلام الفيلسوف الإنجليزى ( هربرت سبنسر ) في هذا المعنى في رسالة ( التربية ) :
« العلم يناقض الخرافات ولكن لا يناقض الدين نفسه . يوجد في شئ كثير من العلم الطبيعي الشائع روح الزندقة ، ولكن العلم الصحيح الذي أفاد المعلومات الصحيحة ، ورسب في أعماق الحقائق : براء من هذه الروح .
العلم الطبيعي لا ينافي الدين ، ولكن الذي ينافي الدين هو ترك هذا العلم .
التوجه للعلم الطبيعي عبادة صامتة ، واعتراف صامت بنفاسة الأشياء التي تعاين وتدرس ثم بقدرة خالقها ، فليس ذلك التوجيه تسبيحا شفهيا ، بل هو تسبيح عملي .
وليس باحترام مدعى ، إنما هو احترام أثمرته تضحية الوقت والتفكير والعمل .
وهذا العلم لا يسلك طريق الاستبداد في تفهيم الإنسان استحالة إدراك ( ذات اللّه ) ، ولكنه ينهج بنا النهج الأوضح في تفهيمنا هذه الاستحالة بإبلاغنا جميع أنحاء تلك الحدود التي لا يستطاع اجتيازها ، ثم يقف بنا في رفق وهوادة عند هذه النهاية ، وهو بعد ذلك يرينا - بكيفية لا تعادل - صغر العقل الإنسانى إزاء ذلك الذي يفوت العقل . أه .