من كروية الأرض ، فإن كل جزء من أجزاء سطح الأرض يبدو في رأى العين ممتدا مبسوطا ، وحقيقة وضعه تكاد تكون كذلك ، إذ لا يتوفر فيها معنى التكوير والتقوس لسعة المحيط ، والقرآن لا يريد تنبيه الناس إلى المعنى العلمي البحت في شأن الأرض ، ولكنه يريد تنبيههم إلى الاعتبار والتفكر فيما يقع تحت حواسهم منها ، وهذا الذي يقع تحت حواسهم منها هو ما يستخدمونه فعلا ويعيشون عليه فعلا ، وهذا الجزء لا مظهر فيه ولا حقيقة ولا حسا لمعنى التقوس الذي لا يكاد يدرك . فلهذا أثر التعبير بالمد والبسط والفرش ونحوها .
قال الشوكاني :
( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ )
: قال الفراء : بسطها طولا وعرضا . وقال الأصم : إن المد هو البسط إلى ما لا يدرك منتهاه . وهذا المد الظاهر لا ينافي كرويتها في نفسها لتباعد أطرافها « 1 » .
وفي الجزء الأول من تفسير ( المنار ) عند قوله تبارك وتعالى :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
[ البقرة :
29 ] استطرد إلى معنى الدحو ، « الدحو » في أصل اللغة دحرجة الأشياء القابلة للدحرجة كالجوز واللوز والكرى والحصا ورميها ويسمون المطر الداحى لأنه يدحو الحصا وكذا اللاعب بالجوز « 2 » . وفي حديث أبي رافع : كنت ألاعب الحسن والحسين رضوان اللّه عليهما بالمداحى ، وهي أحجار أمثال القرضة كانوا يحفرون ويدحون فيها بتلك الأحجار فإن وقع الحجر فيها غلب صاحبها ، والأغلب ذكره في اللسان ، وقال بعده : والدحو هو رمى اللاعب بالحجر والجوز وغيره . . . إلى أن قال : وهذا لا ينافي ما قيل من أن معناه :
بسطها أي وسعها ومد فيها . وأنه سطحها أي جعل لها سطحا واسعا يعيش عليه الناس وغيرهم . فمن جعل مسألة كرويتها وسطحها أمرين متعارضين يقول بكل منها قوم يطعنون في الآخرين فقد ضيقوا من اللغة والدين واسعا بقلة البضاعة فيهما واللّه أعلم « 3 » .
( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً )
الرواسي : الجبال الثوابت ، وهي جمع راسية ، والإرساء :
الثبوت « 4 » . قال جميل :
هامش
( 1 ) انظر : فتح القدير للشوكاني ( 3 / 66 ) .
( 2 ) انظر : أساس البلاغة للزمخشري ص 184 .
( 3 ) انظر : تفسير المنار ( 1 / 248 - 249 ) .
( 4 ) انظر : أساس البلاغة ص 232 .