بعد ذلك " تفسير المنار " قد ألمّ بهذه القضية ، وذهب إلى ما كان يدور بنفسي ، ودعمه بكثير من هذه الشواهد والأدلة ، وإليك تلخيص ما قاله في ذلك :
" ولعلك تطالبنى بإثبات بعض القضايا المنطوية في هذا البيان ، أي إثبات أنّ الجزية ما كانت تؤخذ من الذميين إلا للقيام بحمايتهم والمدافعة عنهم ، وأن الذميين لو دخلوا في الجند أو تكفّلوا أمر الدفاع لأعفوا من الجزية ، فإن صدق ظني فأصغ إلى الروايات التي تعطيك الثلج في هذا الباب ، وتحسم مادة القيل والقال .
فمنها ما كتبه خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا حينما دخل الفرات وأوغل فيها وهذا نصّه :
" هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه ، إني عاهدتكم على الجزية والمنعة فلك الذمة والمنعة ، وما منعناكم فلنا الجزية وإلا فلا . كتب سنة اثنتي عشرة في صفر « 1 » .
ولقد ردّ الأمراء بأمر أبى عبيدة بن الجراح ما كانوا أخذوه من الجزية من أهل حمص وما إليها حين جلوا عنها ليجتمعوا لقتال الروم ، وقالوا لأهل البلاد : إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغ ما جمع لنا من الجموع ، وإنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم ، وإنا لا نقدر على ذلك الآن ، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ، ونحن لكم على الشرط وما كان بيننا وبينكم إن نصرنا اللّه عليهم .
فكان جواب أهل هذه البلاد : ردكم اللّه علينا ، ونصركم عليهم ، فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئا وأخذوا كل شئ ، لولايتكم وعدلكم أحبّ إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم ، ولنذمنّ جند هرقل . وأغلقوا الأبواب وحرسوها ، وكذلك فعل أبو عبيدة مع دمشق وذلك حين كان يتجهز لليرموك « 2 » .
ومنها - وهو بعد يدل على أنّ أهل الذمة إذا لم يشترطوا الحماية أو شاركوا في الجندية لا يطالبون بالجزية - : كتاب العهد الذي كتبه سويد بن مقرف أحد قوّاد عمر رضي اللّه عنهما لرزبان وأهل دهستان وسائر أهل جرجان ، ونصه :
هامش
( 1 ) انظر : تاريخ الطبري ( 2 / 318 ) ط : دار الكتب العلمية .
( 2 ) انظر : الخراج لأبى يوسف ص 81 .