وقد قعدت بهم هذه العقائد المشوّهة عن تحقيق القسم الثاني من الدين وهو القسم العملي ، واستشهدت الآية على ذلك بأنهم لا يحرّمون ما حرّم اللّه ورسوله .
وهل المقصود بعدم التحريم أنهم استحلّوا بعض ما ورد تحريمه عن أنبيائهم السابقين ؟ أو أنهم استحلّوا ما ورد على لسان رسول اللّه سيدنا محمد صلى اللّه عليه وسلم ؟
قولان ، والثاني أظهر ، فهم مخاطبون بهذا الدين لعموم بعثته عليهم ، فإن آمنوا فهم ناجون ، وإن أعرضوا فقد هلكوا ، وذكر التحريم واكتفى به عن ذكر الناحية المقابلة له وهي فعل الفرائض والمأمورات ببيان أنهم غير حريصين على ما فيه فائدتهم ، فإن حكمة التحريم ظاهرة وهي الضّرر ، فإذا كانوا يقدمون على ما يجلب عليهم الضرر عنادا وتحدّيا فهم على القعود عما يجلب عليهم النفع أجرأ تحدّيا وعنادا كذلك ، ومن استحلّ الحرام فمن باب الأولى لن يفعل الحلال .
وبهاتين الصفتين تحقّقت الصفة الثالثة وهي : أنهم لا يدينون دين الحق وهو الإسلام :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ
[ آل عمران : 18 ، 19 ]
وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ
[ آل عمران : 85 ] .
وبهذا تكون الآية قد كشفت عن أوصاف أهل الكتاب ، وهذه الأوصاف فيها البيان بالواقع .
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ من أهل الكتاب من يؤمن بالله واليوم الآخر ، ومن يحرّم ما حرم اللّه ورسوله عليه في كتبه التي هو مخاطب بها مكلّف باتباعها ، وأنهم بذلك يدينون دين الحق في عرفهم ، وعلى هذا فلا تجب مقاتلتهم إلا إذا غيّروا وبدّلوا واستحلّوا ما حرّم اللّه عليهم على لسان أنبيائهم ، فاعتبروا الأوصاف شروطا في وجوب القتال .
والنتيجة العملية واحدة ، لأنه من المقطوع به أنهم غيّروا وبدّلوا ، وأنهم لا يدينون دين الحق ، لا الذي جاء به أنبياؤهم - ففيه البشارة بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والأمر باتّباعه - ولا الذي جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو الإسلام .