أحكام الجزية :
الجزية : ضريبة من الخراج تضرب على الأشخاص لا على الأرض ، والكلمة عربية مشتقة من الجزاء كأنها تدفع جزاء لحقن الدم ، أو للحماية والمنعة والتمتّع بحقوق أهل الإسلام ، أو هي جزاء الإعفاء من ضريبة الدم والجندية في القتال .
وقال شمس العلماء الشيخ شبلى النعماني الهندي « 1 » رحمه اللّه : إنها فارسية معرّبة وأصلها " كزيت " ومعناها الخراج الذي يستعان به على الحرب ، وأطال في الاستدلال على ذلك في رسالة خاصة نشرت في المجلد الأول من مجلة المنار ، ومما استأنس به في ذلك أن التاريخ يثبت أن كسرى هو أول من وضع الجزية ، فالجزية نظام فارسي وليس مبتكرا من الإسلام « 2 » .
ولقد كان يخطر ببالي ويهمس في نفسي دائما أن الجزية إنما وضعت " كبدل نقدي " عن الجندية ، وأن الإسلام إنما لجأ إليها وأوجبها على غير المسلمين من باب التخفيف والرحمة وعدم الحرج ، حتى لا يلزمهم أن يقاتلوا في صفوف المسلمين فيتّهم بأنه إنما يريد لهم الموت والاستئصال والفناء والتعريض لمخاطر الحرب والقتال ، فهي في الحقيقة " امتياز في صورة ضريبة " هذا في الوقت الذي يتّخذ منها الإسلام أيضا احتياطا لتنقية صفوف المجاهدين من غير ذوى العقيدة الصحيحة ، والحماسة المؤمنة البصيرة . وكان يخطر لي : أن مقتضى هذا أن الإمام إذا رأى من مصلحة الوطن الإسلامي أن يجنّد غير المسلمين سقطت عنهم الجزية بهذا التجنيد .
ولقد ناقشني في هذه الخواطر بعض الفقهاء الصالحين مستدلين بنصوص بعض المذاهب في هذا المعنى ، ولم أشأ الاسترسال في الجدل ، إذ لم يكن بين يدي حينذاك من الشواهد والأدلة التاريخية العملية ما يدعم الخواطر التي تتوارد على نفسي ، ثم رأيت
هامش
( 1 ) هو علامة الهند ، الأديب المؤرخ الناقد والبحاثة : شبلى بن حبيب اللّه البندولى النعماني ، ولد سنة 1273 ه ، وتوفى سنة 1332 ه رحمه اللّه تعالى . انظر ترجمته الحافلة في كتاب " شبلى النعماني علامة الهند الأديب والمؤرخ الناقد الأديب " للأستاذ محمد أكرم الندوى . طبعة : دار القلم - دمشق . الأولى .
( 2 ) انظر : مقال ( الإسلام والجزية ) للعلامة الشبلي المنشور في مجلة ( المنار ) في العدد ( 44 ) من السنة الأولى الصادر في 9 من رمضان سنة 1316 ه - 21 من يناير سنة 1899 م .