مميزاته في الدنيا والآخرة ، وليس بين الموتين فارق إلا أن الشهيد ينجو من فتنة الموت إذ فتن ببارقة السيوف ، وينجو من السكرات إذ رآها رأى العين ، أما غيره فيتذوق هذه السكرات ، وتعترضه الفتّانات ، ولذا كان الجهاد أولا وأخيرا يلي الإيمان في فرائض هذا الدين ، ويحتل منهما ذروة السّنام وكفى .
أفلست بعد ذلك ترى أنّ المسلم جندىّ بطبعه ، وترى الافتراض واضحا صريحا في قوله تعالى :
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
والأمر للوجوب ، قال قوم منهم أبو جعفر الرازي : إنّ الفريضة في هذه الآية قتال من قاتلنا فهي فريضة دفاعية ، وأن سورة براءة زادت على هذه الآية أن نقاتل للدعوة ، فأتت بالفريضة الهجومية أيضا ، واستدل لرأيه هذا بظاهر لفظ الآية :
( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ )
« 1 » .
وقال غيره : كلا بل الأمر في الآية الكريمة عام يشمل الدفاع والهجوم معا ، وأن قوله تبارك وتعالى :
( الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ )
إغراء وتهييج وذكر لبعض أسباب القتال ، وأن ما جاء في براءة وغيرها مؤكّد لهذه الآية لا مجدّد لحكم زائد .
ومهما يكن من شئ ، فقد اتفق الطرفان على أن القتال واجب في الدفاع وفي الهجوم متى توفرت أسبابه الشرعية .
إلى هنا نقول لمن يريدون طبع الأمم على التربية العسكرية : هذا حظكم الذي تنشدون ، ولن تجدوا تشريعا يساعدكم على تحقيق غايتكم كهذا التشريع الذي يجعلها فريضة لا فكاك منها ، إلى ما يمتاز به من قداسة ونور وبرهان .
ولما ذا يقاتل المسلم ؟
أيقاتل المسلم طلبا للعسل واللبن كما قاتلت الجنود الصليبية في القرون الوسطى ؟
أم يقاتل طلبا للبترول والفحم والأسواق والخبز والمأوى كما تقاتل جنود الغرب الآن ؟
أم يقاتل عتوّا وتجبّرا وطغيانا وخيلاء كما حارب نابليون بجنوده قيصر روسيا ؟
كلا . المسلم لا يقاتل لهذه الأغراض أبدا ، ولكن المسلم حين يقاتل ، يقاتل لله .
هامش
( 1 ) انظر : تفسير الرازي ( 5 / 138 ) طبعة دار الفكر .