تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
منتهى الكمال الممكن لها لا يلهيه نصر عن نصر ، ولا يشغله واجب عن واجب ، وبذلك تنجو الأمة من دور الاستغلال والانتفاع الذي يلي غالبا دور النصر والنعمة ، وما تزال الأمة بخير ما دامت مجاهدة ، فإذا انقلبت مستغلة فتلك أولى بوادر الانهزام .
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ )
والواجب الثالث من واجبات الأمة : أن تحتمل التضحيات ، وتصبر على المشاق في كفاحها ونضالها ، وأن تستروح روح النصر بالصلاة لما فيها من الصلة بالله تبارك وتعالى ، واستمداد فيضه ، واستعادة ما فقدته الروح من مضائها وقوتها بهذا النضال ، فالصلاة امتلاء الروح بالقوة المعنوية ، والصبر هو المحافظة على هذه القوة واستخدامها بأكبر قدر مستطاع حتى إذا أضناها الجهد ، وأمضّها الجلاد تجدّدت مرة أخرى بالصلاة ، وهذا تلازم غريب بينهما يدركه من صفت نفسه ، وقويت روحه . وفي الصبر وحقيقته وآثاره ومعناه كلام واسع لعلنا نعرض له في كلمة أخرى إن شاء اللّه ، فإذا استعانت الأمة في جهادها بالصبر والصلاة كان اللّه معها ، وأدركها نصره وتأييده ، وظلت في كنفه
( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )
.
( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ )
وهنا نرى الواجب الرابع من واجبات الأمة ، وهو واجب هام إن أدّته الأمة لم تسقط راية الجهاد من يدها أبدا ، ولم يتطرّق إليها الضعف يوما من الأيام ، ذلك الواجب أن تعتبر الأمة التضحية والفداء مغنما لا مغرما ونصرا لا هزيمة ، وتجارة رابحة لن تبور ، وأن تعتقد أن الموت في ميدان الشرف هو حياة الخلود ، وأنّ الفناء في سبيل الواجب هو عين البقاء ، وهذا المعنى إن تشبّعت به الأمة فهي لا شك منصورة مهما كان في سبيلها من عقبات ، وانظر إلى الكتيبة الأولى كيف استولت عليها هذه العقيدة فكانت سرّ نجاحها . أو لست تشمّ بوارق النصر من قول عمير بن الحمام في بدر :
ركضا إلى اللّه بغير زاد * إلا التقى وعمل المعاد
« 1 »
هامش
( 1 ) الأبيات لعمير بن الحمام رضى اللّه عنه ، وقد ذكرها ابن كثير في " البداية والنهاية " ( 3 / 277 ) ، والصالحي في " سبل الهدى والرشاد " ( 4 / 70 ) وابن الأثير في " أسد الغابة " ( 4 / 291 ) وابن عبد البر في " الاستيعاب " ( 3 / 1214 ) .