( وَيُزَكِّيكُمْ )
يطهّر أخلاقكم ، ويصفى نفوسكم ، ويطبعها على الخير ، ويغسلها من أدران الرذائل حتى تستعد لفقه هذا الدستور ، وتنشط للعمل به ، وتحرص على حمايته ، فإذا كانت الوظيفة الأولى إيصال الدستور من السماء إلى الأرض ، فإن الوظيفة الثانية إمداد النفوس ، وتقوية الأخلاق ، وتدعيم القلوب لتحفظ هذا الدستور وتحرسه .
( وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ )
فإذا تطهّرت النفس ، وصفا القلب ، واستعدت الفطرة ، جاء دور العلم ، وتلاه دور الحكمة .
والعلم : تلقى المعلومات ودراستها ، والحكمة : إلقاء المعلومات وفيضانها وانتزاعها من النفس والروح فأنت في مركز العالم منفعل وفي مركز الحكيم فاعل ، وشتّان ما بينهما وأولاهما من وسائل الثانية ، فإذا فقه الإنسان المعلومات الحاضرة ، وقويت ملكته العلمية بالحكمة استدل بهذا الذوق العلمي على الكشف والتحقيق ، فعلم ما لم يكن يعلم ، وكان فضل اللّه عليه عظيما .
أرأيت التدرّج في هذا النّسق البديع ؟ يوضع النظام من السماء فتصقل النفوس لتلقيه فتفقهه وتتعلمه فتتذوقه ، وتفيض به فتكشف المساتير ، وتبنى المستقبل على أساسه إن هذا لهو الفضل العظيم .
أو رأيت بعد ذلك كيف يجدّد الزعيم الرباني أمته تجديدا قويّا ثابتا ؟ وكيف يسير هذا التجديد في خطوات متناسقة مأمونة العثار ؟ إذا عرفت هذا فإن القائد لا يزال ، وسيظل قائما ، والخطوات مرسومة ، وما بقي إلا وظيفة الأمة ، وذلك ما سنتحدث عنه إن شاء اللّه .