مثل أسمى من " سبيل اللّه " الذي تفنى أمامه الماديات والأهواء والمطامع والمنافع الشخصية ، ولا يجد النفعيّ ولا الوصوليّ ولا الدسّاس ولا المغرض إليه سبيلا ؛ لهذا كان المثل الذي وضعه القرآن الكريم لأمته « 1 » وجعله أساس نهضتها : الإيمان بالله أولا ، ومن هذا الإيمان تستمد الأمة سيادتها في قوله تعالى :
كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[ آل عمران : 110 ] .
وتستمد عزتها من قوله تعالى :
وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
[ المنافقون : 8 ] .
وتستمد التأييد والهداية من قوله تعالى :
اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ
[ البقرة : 257 ] .
وتستمد القوة من قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
[ المدثر : 31 ] .
وتستمد في النهاية النصر من قوله تعالى :
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
[ الحج : 40 ] .
وهذا معنى خاص تنفرد به النهضة المستندة إلى جانب اللّه والإيمان به وسلوك سبيله لا يكون في غيرها من النهضات أبدا .
وتأمّل قول اللّه :
فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ
[ النساء :
104 ] .
وعلى ضوء هذا البيان نتفهّم الآية الكريمة ، ونعرف منها وظائف الأمة وواجباتها في النهضة :
( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ )
فالواجب الأول : أن تستذكر الأمة دائما مثلها الأعلى ، وتجعله القائد في نهضتها ، والهادي في حيرتها ، فيكون جزاء ذلك تأييد اللّه ، وتسديد الخطط ، ونجاح الغايات .
( وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ )
والواجب الثاني : أن تتعرّف الأمة خطواتها ومدى نجاحها ، وإذا كانت حقيقة الشكر استخدام النعمة فيما خلقت له ، فعلى الأمة أن تجعل النصر سبيلا إلى نصر آخر ، ولا تقف عند حدّ النصر الأول ، فإن مهمة المسلم أن يسير بالدنيا إلى
هامش
( 1 ) كتبت في المقال : لأممه ، والصواب ما أثبته ، فالأمة الإسلامية أمة واحدة ، وليست عدة أمم مختلفة . صوب هذا الخطأ الشيخ يوسف القرضاوى .