ألم ( 1 ) أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ( 2 ) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
[ العنكبوت : 1 - 3 ] ، ومن ذلك ترى أن الاختبار كما يكون تدريبا على المقاومة يكون دليلا على الإيمان والتسليم ، فإذا صبر العبد وسلّم ، كان ذلك دليل إيمانه ، فيرفع الله درجته ، ويعلى منزلته ، وكان الابتلاء وسيلة إلى رفع الدرجات وإعلاء الرتب ونوال الفضل ، وربما منعك فأعطاك وربما أعطاك فمنعك « 1 » :
إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
[ الزمر : 10 ] .
والتمرينات التي ذكرتها الآية الكريمة أنواع منها :
( الخوف ) وإنما بدأ القرآن به لأنه غريزة مستقرة في النفس ، لاصقة بالفؤاد ، تولد مع المرء منذ ولد ، وتتحرك لأدنى مؤثر ، وتتولد عنها الأوهام والخرافات ، فإذا استطاع الإنسان أن يكبح جماحها ، وألا يتأثر بمثيراتها خمدت وسكنت ، وذهب من نفسه ما تولد عنها من الجبن والوهم والخرافة ، وصار شجاعا قوىّ النفس بعد أن كان رعديدا خائر العزيمة ، وبذلك يحسن استعداده النفسي ، وتكون الصدمات التي تلا هذه الصدمة أقل منها أثرا وأضعف خطرا .
يلي ذلك : ( الجوع ) وإنما ثنّى به القرآن الكريم ، لأنه ألم الجسم ، فإذا تعوّد الإنسان مقاومة دواعيه ، والصبر على حرارته ، فقد قوى جسمه ، وصلب غوده ، وانضمت قوة جسمه بمقاومة الجوع إلى قوة روحه بمقاومة الخوف ، فكان إنسانا كاملا جسما وروحا .
يأتي بعد هذين التدريب الثالث في قوله تعالى :
( وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ )
وهو الصبر على مفارقة المألوفات من مظاهر البيئة القريبة إلى الشخص ، الحبيبة إلى النفس ، وللألفة على القلب سلطان ، ولها في النفس منزلة ، ورحم الله أبا الطيب إذ يقول :
خلقت ألوفا ولو رحلت إلى الصبا * لفارقت شيبى موجع القلب باكيا
هذه المألوفات التي تعوق الإنسان عن العظائم ، وتحول بينه وبين الجد في المطالب يريد القرآن أن يعوّد الأمة الصبر على مفارقتها ، وعدم الركون إليها حتى يتحرّر الإنسان حرية كاملة ، وحتى لا يقف شئ دون وصوله إلى الغاية .
هامش
( 1 ) من حكم ابن عطاء الله السكندرى .