القرآن الكريم وأحقيته :
( ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ )
والمراد بالكتاب : القرآن الكريم . والريب : الشك .
فالآية تقرر أن هذا القرآن من شأنه الحق والصدق ، فلا يصح أن يخالط أحدا الشك في صدقه وأحقيته وأنه من عند اللّه تبارك وتعالى ، وأن ما فيه هو الخير والهداية للناس .
وقد يقف بعض القرّاء على
( لا رَيْبَ )
ويستأنف القراءة بما بعدها فيقرأ :
( فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ )
وهو توجيه متكلّف ، وإن صحّ المعنى ، ويضعفه ما جاء في فاتحة سورة السجدة
( ألم . تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ )
إذ لا يحتمل المعنى الاستئناف فيها كما احتمله في الأول .
وقد تكرّرت الإشارة إلى أحقيّة القرآن وصدقه وفضله وبركته وإعزازه وسلامته في كثير من الآيات مثل قوله تعالى :
وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ( 41 ) لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ
[ فصلت : 41 ] ،
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ
[ ص : 29 ] ،
وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ
[ فاطر : 31 ] .
كما أشارت الآيات أيضا إلى الأدلة المعقولة المقبولة على هذا الصدق ، ونفى الرّيب والشك والظّنّة في مواضع كثيرة ، ومن هذه الأدلة : استقامة نظمه وانسجام معانيه
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النساء : 82 ] . وذلك يتضح بإمعان النظر وكثرة التدبر .
ومنها : إعجازه البالغ المحيط الشامل مع التحدي الثابت الدائم
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ الإسراء : 88 ] . وسنفرد لهذا بابا خاصا في هذا التفسير - إن شاء اللّه - عند أول مناسبة « 1 » .
هامش
( 1 ) عاد الإمام البنا لموضوع أحقية القرآن مرة أخرى عند تفسيره لسورة الرعد ، في الآية الأولى منها قوله تعالى :المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ[ الرعد : 1 ] .