تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢

الحروف المفردة في أوائل السور

( ألم )
وما شابهها في أوائل السور القرآنية . كثرت أقوال المفسرين في ذلك ، وأحقّها بالنّظر والتقدير آراء ثلاثة « 1 » : أنها للفت النظر للاستماع للقرآن حين يتلى ، فهي أداة تنبيه ، وخاصة للمشركين الذين كانوا يعلمون تمام العلم : أنّ محمدا عليه الصلاة والسلام أمّىّ لم يقرأ ولم يكتب قبل أن يوحى إليه هذا القرآن ، فنطقه بهذه الحروف على الهيئة التي لا يحذقها إلا القرّاء والكاتبون أمر يستدعى الانتباه ويستلفت النظر . أو أنها إشارة إلى الإعجاز ، كأنه يقول لهم : إنّ هذه الألفاظ والجمل والعبارات والآيات قد ركّبت من هذه الحروف البسيطة التي تعرفونها جميعا ، ومع ذلك فقد أعجزتهم عن الإتيان بمثل هذا التركيب ، مع أن هذه هي مادته الأولية بين أيديكم ، فلا مندوحة لكم بعد هذا من الإقرار بأن هذا الكتاب المركّب هذا التركيب من عند اللّه لا من صنع البشر . أو أنها إشارة إلى فضل الكتابة وسموّ منزلتها ، والتفاؤل بأنه كما كانت معرفة البشر للكتابة إيذانا بانتقالهم من طور إلى طور في مدارج الرّقىّ والكمال ، فكذلك الاهتداء بهذه الرسالة سيكون انتقالا جديدا إلى درجة أعلى وأكمل في مدارج الحضارة الإنسانية والترقي الاجتماعي ، وقد جاء القرآن حريصا على إبراز هذا المعنى حتى كانت أول سورة أنزلت منه في أرجح الأقوال :
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ( 1 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ ( 2 ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ( 3 ) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ( 4 ) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ
[ العلق : 1 - 5 ] . وكل ما عدا هذه الآراء الثلاثة من أقوال المفسرين ظنّ لا يغنى من الحق شيئا ، ومن طرائف ما ذهب إليه بعضهم في ذلك استخلاصه هذا التركيب من هذه الحروف في أوائل السور بعد حذف المكرر منها ( نص حكيم قاطع له سر ) كأنه يريد أن يقول إنها وصف للقرآن ولا دليل على هذا القول ولا سند له .
هامش
( 1 ) انظر في ذلك : تفسير ابن عطية ( 1 / 138 - 141 ) وتفسير القرطبي ( 1 / 154 - 157 ) وابن كثير ( 1 / 34 - 37 ) .
نظرات في كتاب الله — صفحة 162 | حسن البنا