تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظرات في كتاب الله — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
قوله تعالى :
( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً )
( إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )
ولم يجيء قط رحمن بهم ، فعلمت أن رحمن هو الموصوف بالرحمة ، ورحيم هو الراحم برحمته ، وقال رحمه اللّه تعالى : هذه النكتة لا تكاد تجدها في كتاب " « 1 » . ولكن الشيخ محمد عبده رحمه اللّه ذهب إلى عكس ذلك فقال : " والذي أقول : إنّ صيغة فعلان تدل على وصف فعلى فيه معنى المبالغة كفعال وهو استعمال اللغة للصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان ، وأما صيغة فعيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وحليم وجميل . والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات اللّه عز وجل ، التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين . فلفظ الرحمن يدلّ على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إضافة النعم والإحسان ، ولفظ الرحيم يدل على منشأ هذه الرحمة والإحسان ، وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة . وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ، ولا يكون الثاني مؤكدا للأول ، فإذا سمع العربي وصف اللّه جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلا لا يعتقد منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما . لأن الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيرا ، فعند ما يسمع لفظ الرحيم : يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق بالله تعالى ويرضيه سبحانه ، ويعلم أن لله صفة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها ، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين ، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقدم برهانا عليه . ملخصا من تفسير المنار « 2 » . ولعلّ هذا الرأي الأخير هو الأقرب إلى قواعد اللغة وأساليبها . وقد ذهب الشيخ محمد عبده في رده على بعض المعترضين عليه وتوجيه كلامه هذا مذهبا لطيفا نورده هنا ملخصا لجمال إشارته قال : " إن احتمال التوكيد بذكر الصفتين معا لنفى التعدد بعيد ، لأنه لا علاقة بين التوحيد ومعنى الرحمة ، ولم يسبق في التاريخ أنّ أحدا ذهب إلى أن الرحمن معبود
هامش
( 1 ) انظر : تفسير المنار ( 1 / 48 ) . ( 2 ) انظر : مشكلات القرآن الكريم وتفسير سورة الفاتحة للإمام محمد عبده ص 36 ، 37 . طبعة مكتبة الحياة ببيروت . وتفسير المنار ( 1 / 47 ، 48 ) .